خطب الإيراهيمي

الجمعة الأولى بعد الاستقلال في مسجد"كتشاوة" بالجزائر العاصمة

الحمد لله ثم الحمد لله تعالت أسماؤه وتمت كلماته صدقًا وعدلاً، لا مبدل لكلماته، جعل الله يتنـزل من عنده على ما يشاء من عباده حيث يبتليهم فيعلم المصلح من المفسد، ويعلم صدق يقينهم وإخلاص نياتـهم، وصفاء سرائرهم، وطهارة ضمائرهم.
سبحانه وتعالى جعل الليل فرقانًا بين الحق والباطل، وأنتج من المتضادات أضدادها، فأخرج القوّة من الضعف، وولد الحرية من العبودية، وجعل الموت طريقًا إلى الحياة، وما أعذب الموت إذا كان للحياة طريقًا، وبايعه عباده المؤمنون الصادقون على الموت، فباءوا بالصفقة الرابـحة، و﴿اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً﴾...
سبحانه تعالى جده، تـجلى على بعض عباده بالغضب والسخط، فأحال مساجد التوحيد بين أيديهم إلى كنائس للتثليث، وتجلى برحمته ورضاه على آخرين فأحال فيهم كنائس التثليث إلى مساجد للتوحيد، وما ظلم الأولين ولا حابى الآخرين، ولكنها سنته في الكون وآياته في الآفاق يتبعها قوم فيفلحون، ويعرض عنها قوم فيخسرون.
وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده، صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله شرع الجهاد في سبيل الله، وقاتل إعلاءا لكلمة الله حتى استقام دين الحق في نصابه، وأدبر الباطل على كثرة أنصاره وأحزابه، وجعل نصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة منوطًا بالإيـمان والصبر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وكل متّبع لهداه، داع بدعوته إلى يوم الدين.
ونستنـزل من رحمات الله الصَيّبة، وصلواته الزاكية الطيبة لشهدائنا الأبرار ما يكون كفاء لبطولتهم في الدفاع عن شرف الحياة وحرمات الدين وعزة الإسلام وكرامة الإنسان وحقوق الوطن.
وأستمد من الله اللطف والإعانة لبقايا الموت وآثار الفناء ممن ابتلوا في هذه الثورة المباركة بالتعذيب في أبدانهم والتخريب لديارهم والتحيُّف لأموالهم.
وأسأله تعالى للقائمين بشؤون هذه الأمة ألفة تجمع الشمل، ووحدة تبعث القوّة، ورحمة تضمد الجراح، وتعاونا يثمر المنفعة، وإخلاصا يهوّن العسير، وتوفيقًا ينير السبيل، وتسديدًا يقوّم الرأي ويثبّت الأقدام، وحكمة مستمدة من تعاليم الإسلام وروحانية الشرق وأمجاد العرب، وعزيمة تَقطع دابر الاستعمار من النفوس، بعد أن قطعت دابره من الأرض.
ونعوذ بالله ونبرأ إليه من كل داع يدعو إلى الفرقة والخلاف، وكل ساع يسعى إلى التفريق والتمزيق وكل ناعق ينعق بالفتنة والفساد.
ونـحيي بالعمار والثمار والغيث المدرار هذه القطعة الغالية من أرض الإسلام التي نسميها الجزائر، والتي فيها نبتنا، وعلى حبها ثبتنا، ومن نباتها غذينا وفي سبيلها أوذينا.
أحييك يا مغنى الكمال بواجب وأنفق في أوصافك الغر أوقاتي
يا أتباع مـحمد عليه السلام هذا هو اليوم الأزهر الأنور، وهذا هو اليوم الأغر المـحجل، وهذا هو اليوم المشهود في تاريخكم الإسلامي بهذا الشمال، وهذا اليوم هو الغرة اللائحة في وجه ثورتكم المباركة، وهذا هو التاج المتألق في مفرقها، والصحيفة المذهبة الحواشي والطرر من كتابها.
وهذا المسجد هو حصة الإسلام من مغانم جهادكم، بل هو وديعة التاريخ في ذممكم، أضعتموها بالأمس مقهورين غير معذورين واسترجعتموها اليوم مشكورين غير مكفورين، وهذه بضاعتكم ردت إليكم، أخذها الاستعمار منكم استلابًا، وأخذتموها منه غلابا، بل هذا بيت التوحيد عاد إلى التوحيد، وعاد إليه التوحيد فالتقيتم جميعًا على قدر.
إن هذه المواكب الحاشدة بكم من رجال ونساء يغمرها الفرح، ويطفح على وجوهها البِشر لتجسيد لذلك المعنى الجليل، وتعبير فصيح عنه، وهو أن المسجد عاد إلى الساجدين الركع من أمة محمد، وأن كلمة لا إله إلاّ الله عادت لـمستقرها منه كأن معناها دام مستقرًّا في نفوس المؤمنين، فالإيمان الذي تترجم عنه كلمة لا إله إلاّ الله، هو الذي أعاد المسجد إلى أهله، وهو الذي أتى بالعجائب وخوارق العادات في هذه الثورة.
وأما والله لو أن الاستعمار الغاشم أعاده إليكم عفوًا من غير تعب، وفيئة منه إلى الحق من دون نصب، لـما كان لهذا اليوم ما تشهدونه من الروعة والجلال.
يا معشر الجزائريين:
إذا عُدَّت الأيام ذوات السمات، والغرر والشيات في تاريخ الجزائر فسيكون هذا اليوم أوضحها سـمة وأطولها غرة وأثبتها تـمجيدًا، فاعجبوا لتصاريف الأقدار، فلقد كنا نـمر على هذه الساحة مطرقين، ونشهد هذا المشهد الـمحزن منطوين على مضض يصهر الجوانح ويسيل العبرات، كأن الأرض تلعننا بـما فرطنا في جنب ديننا، وبما أضعنا مما كسبت أيدينا من ميراث أسلافنا، فلا نـملك إلاّ الـحوقلة والاسترجاع، ثم نرجع إلى مطالبات قولية هي كل ما نملك في ذلك الوقت، ولكنها نبهت الأذهان، وسجلت الاغتصاب، وبذرت بذور الثورة في النفوس حتى تكلمت البنادق.
أيها المؤمنون:
قد يبغي الوحش على الوحش فلا يكون ذلك غريبًا، لأن البغي مـما ركب في غرائزه، وقد يبغي الإنسان فلا يكون ذلك عجيبًا لأن في الإنسان عرقًا نزاعًا إلى الحيوانية وشيطانًا نَزَّاغًا بالظلم، وطبعًا من الجبلة الأولى ميالا إلى الشر، ولكن العجيب الغريب معًا، والـمؤلم الـمحزن معًا، أن يبغي دين عيسى روح الله وكلمته على دين محمد الذي بشّر به عيسى روح الله وكلمته.
يا معشر المؤمنين:
إنكم لم تسترجعوا من هذا المسجد سقوفه وأبوابه وحيطانه، ولا فرحتم باسترجاعه فرحة الصبيان ساعة ثم تنقضي، ولكنكم استرجعتم معانيه التي كان يدل عليها المسجد في الإسلام ووظائفه التي كان يؤديها من إقامة شعائر الصلوات والجمع والتلاوة ودروس العلم النافعة على اختلاف أنواعها، من دينية ودنيوية، فإن المسجد كان يؤدي وظيفة المعهد والمدرسة والجامعة.
أيها المسلمون:
إن الله ذم قومًا فقال ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، ومدح قومًا فقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.
يا معشر الجزائريين:
إن الاستعمار كالشيطان الذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه رضي أن يطاع فيما دون ذلك "، فهو قد خرج من أرضكم ولكنه لم يخرج من مصالح أرضكم ولم يخرج من ألسنتكم، ولم يخرج من قلوب بعضكم، فلا تعاملوه إلاّ فيما اضطررتم إليه، وما أبيح للضرورة يقدّر بقدرها.
يا معشر الجزائريين:
إن الثورة قد تركت في جسم أمتكم ندوبًا لا تندمل إلاّ بعد عشرات السنين، وتركت عشرات الآلاف من اليتامى والأيامى والمشوهين، الذين فقدوا العائل والكافل وآلة العمل، فاشـملوهم بالرعاية حتى ينسى اليتيم مرارة اليُتْمِ، وتنسى الأيـم حرارة الثكل، وينسى المشوه أنه عالة عليكم، وامسحوا على أحزانهم بيد العطف والحنان فإنهم أبناؤكم وإخوانكم وعشيرتكم.
يا إخواني:
إنكم خارجون من ثورة التهمت الأخضر واليابس، وإنكم اشتريتم حريتكم بالثمن الغالي، وقدمتم في سبيلها من الضحايا ما لم يقدمه شعب من شعوب الأرض قديـمًا ولا حديثًا، وحزتم من إعجاب العالم بكم ما لم يـحزه شعب ثائر، فاحذروا أن يركبكم الغرور ويستزلكم الشيطان، فتشوهوا بسوء تدبيركم مـحاسن هذه الثورة أو تقضوا على هذه السمعة العاطرة.
إن حكومتكم الفتية منكم، تلقت تركة مثقلة بالتكاليف والتبعات في وقت ضيق لم يـجاوز أسابيع، فأعينوها بقوّة، وانصحوها في ما يجب النصح فيه بالتي هي أحسن، ولا تقطعوا أوقاتكم في السفاسف والصغائر، وانصرفوا بجميع قواكم إلى الإصلاح والتجديد، والبناء والتشييد، ولا تجعلوا للشيطان بينكم وبينها منفذًا يدخل منه، ولا لحظوظ النفس بينكم مدخلاً.
وفقكم الله جميعًا، وأجرى الخير على أيديكم جميعًا، وجمع أيديكم على خدمة الوطن، وقلوبكم على المحبة لأبناء الوطن، وجعلكم متعاونين على البر والتقوى غير متعاونين على الإثم والعدوان.
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾.
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم وهو الغفور الرحيم.


ألقيت هذه الخطبة يوم الجمعة 5 جمادى الثانية 1382 هجرية الموافق للثاني من نوفمبر 1962 ميلادية، بحضور أركان الدولة ووفود غفيرة من مختلف الدول الإسلامية.


1