مقالات حول الإبراهيمي

روعة البيان في كتابات الإمام الإبراهيمي

عدد القراء : 5274

      أن يكون في الجزائر زمن الاستكبار الفرنسي من هو في مثل بلاغة الجاحظ والتوحيدي والرافعي ، فذلك ما يقض مضاجع من راهنوا على تخريب الهوية الجزائرية . ومن أروع ما يشهد للإبراهيمي بلوغه الذروة في الوعي بضرورات البيان أنه جعل بين الكلمة والثقافة نسباً ، فكان ينتقيها ويجعل منها مشهداً من مشاهد الانتماء ، وهو في ذلك يتبع المنهج القرآني الذي يجعل مثل الكلمة الطيبة كشجرة طيبة .



الدكتور عبدالحفيظ بورديم


توطئة :
لو قدر لمثلي أن يقترب من حمى الإبراهيمي لما استطاع أن يثبت على قدم ، ذلك أنّ للجلال هيبة عظمى ، ولو قدر لمثلي ولغيري أن يسمعوا ما كان يفيض به أدب الإبراهيمي لظلوا مشدودين بروعة المنطق ومأخوذين بسمو البيان ، جاء الإبراهيمي على عهد أقسى من عهد الفترة التي فسد فيها كل شيء : الفهم الذي مناطه العقل ، والإخلاص الذي مناطه القلب ، والبيان الذي مناطه اللسان .
ولا يزال الاستكبار الفرنسي يزهو بما حققت يداه فينا ، وما مسخ مكره منا ، حتى أعلن في وقاحة بالغة أنّ الجزائر شاهت عقيدتها فلم تعد مسلمة ، وشاهت أخلاقها فلم تعد فاضلة ، وشاه لسانها فلم تعد عربية .
وقدر لأعلام من المشرق أن يئسوا من واقع الجزائر فظنوها أندلساً جديداً ، رأى أحمد شوقي ماسحي الأحذية يرطنون بالفرنسية فالتبس عليه أن يكون ذلك هو مظهر المسخ الشامل .
وللشاعر شوقي سلطان الكلام ، إن قال طار كلامه من طنجة إلى جاكرتا غير مدفوع .
حتى إذا استيأس المستضعفون وظنوا أنه الهوان ، قام عبد الحميد والبشير وصحبهما – كما قام الأمير من قبل – وكأنهم أولو العزم جددوا للأمة دينها ، وأصلحوا أخلاقها ، ومسحوا الرطانة من لسانها .
إنّ امتلاك البشير البيان الراقي كان آية من آيات الله في الخلق ، ومن وجد في نفسه ريبة فلينظر بعين الإنصاف ماذا أنفقت فرنسا كي تقتل العربية فينا ، أغرت ضعفاء النفوس وآذت أقوياء الإيمان ، ووضعت المراسيم الظالمة التي تمنع التعليم العربي ، لكن سعيها خاب حين أقامت جمعية العلماء قلاعها ، ونشرت في الناس كتابها ، وزين بيان الإبراهيمي بصائرها ، حتى غدت مضرب المثل في الكمال الراقي والسمو الرائع .
لو قدّر لمثلي أن يجلو بعض ملامح التجديد اللغوي وروائع البيان في أدب الإبراهيمي لأعجزه ذلك لمبلغ الأسر الذي يشدّ التنفس شدّاً ، تشعر بالروعة تملأ السمع والأبصار فتسري في النفس هينّة لينّة ، ولكنك لا تستطيع أن تتمثلها فتقول هو ذا الممتنع ، هو ممتنع في اصطفاء حروفه ، وفي انتقاء مفرداته وفي استواء تراكيبه وجمله .

1- اصطفاء الحروف :
حين التأمل في بيان الإبراهيمي يثيرنا في البدء أنه يصطفى الحروف كما يصطفي البناءون الحجارة التي تكون في العمارة ، فتستوي عنده أمثلة من التناسق والتجاذب بينها ، وقديماً قد جعل البلغاء للحروف شروطاً لفصاحتها ، وهي أن تخلو من التنافر ، ولم يقدر لي أن وقعت في أدب الإبراهيمي على مثل "مستشزرات" أو على مثل شجر "العهعخ والعهعخان" كل الحروف عنده منحوتة من الفصاحة العالية حين يجاور بعضها بعضاً ، حتى لكأنها حبات العناقيد الصافية ، يقول مثلاً متحدثاً عن الشباب الجزائري :
"أتمثله براً بالبداوة التي أخرجت من أجداده أبطالاً ، مزوراً عن الحضارة التي رمته بقشورها ، فأرخت أعصابه ، وأنّثت شمائله ، وخنّثت طباعه ، وقيدّته بخيوط الوهم ، ومجت في نبعه الطاهر السموم ، وأذهبت منه ما يذهب القفص من الأسد من بأس وصولة"1 .
تكاد الحروف تنطق عن مكنونها قبل أن تستوي الألفاظ كاملة ، إنّ اجتماع حرف الباء في التمثّل الأول يصنع من شدتها وجهرها معنى ثابتاً من معاني البداوة التي يريدها الإبراهيمي أن تزيّن أخلاق الشباب الجزائري ، زيّنت الباء كلمات هي :
(براً ، البداوة ، أبطالاً) وجعل الباء التي للإلصاق جامعة بينها ، كأن اصطفاء الباء كان مقصوداً لتنسجم خصائص الشدة والانفجار فيها مع معاني البطولة التي رأي البداوة معقلها .
وكم في البداوة من فضل ، هي مسرح الشعر العربي كله ، ومجال تربية أبناء العرب ، فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم نشأ في بادية بني سعد ، والمتنبي في بادية السماوة ، والأمير عبد القادر فاخر الفرنسيين بفضلها ، وما من عيب فيها إلا المروءة والإقدام والبدر .
ثمّ إذا بالثاء والشين تغلبان على مظاهر الحضارة ، والحضارة من شأنها أن تذهب بعزم البداوة حين تجمع الرجولة والتخنيث ، ومن خصائص الشين والثاء الهمس والرخاوة وكأنهما شاهدان على انفراط عقد الرجولة كالأسد الذي يذهب القفص بأسه .
ربما جادل بعض الناس البشير في أمر الحضارة ومنافعها ، ولكنها عند الإبراهيمي مخصوصة الاستعمار محدودة الوضع ، الحضارة التي رمي بقشورها ليست تلبيساً يضع الألفاظ لغير مسمياتها ، وما هي في حقيقتها إلا العسف الفرنسي والاستكبار الصليبي .
إذا استوى مثل هذا الفهم صارت البداوة هي عزّة الانتساب إلى أرض الرسالات .
كأن الجهر الذي في الباء هو جهر بانتساب الجزائر إلى الإسلام والعروبة .
وكأن الرخاوة التي في الثاء هي ارتخاء واستسلام لإغواء الفرنسي .
هذا مثل : والأمثلة لا تحصى ، غير أنّ أدب الإبراهيمي حروفه نسج من البهاء يبلغ بها الذروة في الإبداع الذي لم يقدر إلا لقلة من الأدباء والمترسلين قديماً وحديثاً .

2- انتقاء المفردات :
من يقرأ فصول "كلمات مظلومة" في "عيون البصائر" ، يجد عند الإبراهيمي علماً بدلالة الألفاظ قلّ توفرها عند غيره ، ومثلها صار يسمى عند بعضهم تصحيح المفاهيم ، بدأ بالمقاديم وانتهى بالديمقراطية ، فبيّن دلالتها في أصل الوضع ثم تتبع انحرافها في استعمال ، والانحراف الدلالي ضرب من تحريف الكلم عن مواضعه ، يقول مثلاً عن العدل :
"والعدل عند العرب وصف بالمصدر ، مبالغة في إثبات الصفة حتى كأن الشخص صار صفة محضة ، أو كأن الوصف تجسم فصار شخصاً ، والعدل هو الذي لا يجوز في حكم ولا شهادة ولا في قول ، أما عندنا فمعناه ما تعرف وأعرف"2 .
ولأن الكلمة الطيبة مثلها كشجرة طيبة ، فإن القارئ لأدب الإبراهيمي يقف أمام الكلمات حين انتقائها فتصير كأنها اللآلئ والأحجار الكريمة ، وتستوي الكلمات في نسبتها أن تكون في أعلاها مأخوذة من القرآن – وليس ذلك بالغريب – ثم تدرج لتكون اقتباساً من البيان النبوي الكريم ، ولا يمنعها ذلك من أن تكون شاهدة من شواهد بلاغة العرب حين تقول الشعر أو حين تضرب الأمثال وتسوق الحكم .
كل ذلك حشد رائع يستوي في أدب الإبراهيمي فيجعل بيانه رفيعاً تقرأه وكأنك لم تقرأ مثله لبليغ من قبل ، ثم لا يجد غضاضة في الاستفادة من الدخيل بعد أن يرده إلى أصوله الثقافية التي صنعته ، ويسوقها سوقاً ليناً إلى الذي يرتضيه في باب دعوة الإصلاح التي وهب حياته لها ، وما أروع الذي كتبه عن الديمقراطية كيف نشأت في قومها ، ثم كيف أبدلنا الله خيراً منها ، ثم كيف ظلمها قومها حتى صارت أداة خداع في الحرب وفي السلم .
إنّ مثل هذا الالتفات إلى دلالة الكلمات وموقعها من الانتساب الثقافي منهج قرآني صميم ، فالذين ظلموا هم الذين يبدلون الكلم عن مواضعه ، والمؤمنون نهوا عن قول "راعنا" .
كان الإبراهيمي قرآنياً لذلك أعلن انتسابه إلى الشورى العمرية وحذر من الديمقراطية الممزوجة بالماكيافيلية .
ومن الكلمات ما تفيض بالاندفاع الوجداني فيغلب عليها الحزن البالغ كمثل كلمة العيد ، يقول مثلاً : "ولكنك عدت عليهم بنهارٍ كاسف الشمس ، ويوم شر من الأمس ، فاذهب كما جئت ، فلست منا ظاعناً ولا مقيماً ، وعد كما شئت فلست مني حميماً ولا ذميماً"3 .
ومن قبل كان الإبراهيمي قد أحصى معاني العيد فكانت عنده معنى دينياً ، ومعنى إنسانياً ، ومعنى نفسياً ، ومعنى زمنياً ، ومعنى اجتماعياً ، ولكنها بعد أن أفرغت من معناها صارت الفرقة واجبة ، فلا نفس الإبراهيمي تجد من معاني الفرح الذي يمنح العيد ، ولا هو يستطيع أن يجد للعيد صلة من صلات الشك ونسيان الهموم ، وأنّى له أن يشعر بمثل تلك المعاني وقد صارت منسوخة نسخ تعطيل .
من يتبع سلطات الكلمات عند الإبراهيمي يجده مثالاً للوعي بأنّ الصلة بين اللغة وبين الثقافة هي صلة المحمول والحامل فلا ينفكان ولا ينفرطان ، وما حرصه على انتقاء الكلمات إلا دليل على معرفة بالغة بأنّ النفوس والأذهان لا تصفو إلا إذا صفت الكلمات من الشوائب .
من ذلك أن للعروبة في فهمه موقعاً لا يكون مثله إلا عند رجال الإصلاح ، يقول :
"كل هذه العوامل صيرت هذا الشمال عربياً قارّ العروبة على الأسس الثابتة من دين عربي ، ولغة عربية ، وكتابة عربية وآداب عربية ، ومنازع عربية ، وتشريع عربي ...."4 .
هي لم تعد في وعيه انتصاراً للعرق والجنس والنسب ، ولكنها ضرورة تحقيق إنسانية الإنسان ، لأنّ الدين سيكون أساسها الثابت الأول ، ثم تتزين بغيره من الأسس الثابتة ، وكأني بالإبراهيمي حين يعلي العروبة يفتكها من قبضة العصبيات البغيضة ، يعيد لها معناها الثابت وهو الإسلام ، وليست العربية لأحد منا بالنسب ، ولكنها انتساب يقين إلى الإسلام ، وتحرر يقين من العصبيات .
هكذا كان منهج الإبراهيمي في نسج روائعه ، ينتقي الكلمات من قاموس الانتماء الثقافي ويطهرها من شوائب اللغو .

3- استواء التركيب :
تتحدد الجمة عند النحاة باستيفاء الدلالة ، والإبراهيمي كان نسيج وحده في امتلاك القدرة على تركيب الكلام بعد أن يصطفى الحروف وينتقي الكلمات ، فيخلص إلى صناعة الجمل حتى تستوي تامة الخلقة فيطمئن إليها لتتآلف وفق أساليب متنوعة يكون منها :
• تغيير الرتب بين المعمولات في مثل قوله :
"ذكريات من المجد التليد تثار ، وآفاق من الفخر الطريف تنار وسمات من مخايل البطولة تشهر وصفحات من تاريخ العظمة تنشر5 .
والإبراهيمي رجل مقاصد يعرف أن للجملة الاسمية دلالات في الثبوت قد تكون أقوى من التي تمحضها الجملة الفعلية ، كان في خاطرة عيد العرش المحمدي يريد أن يثبت أمجاداً تزعج الاستكبار الصليبي ، فجمع بين الذكريات وهي مجلى التاريخ ، وبين الآفاق وهي مجلى المستقبل ، وكأنه باعتماده تقديم الأسماء على الأفعال جعل لها وظيفة المبتدأ عند النحويين ووظيفة الثبوت عند المصلحين .
الإيجاز والمساواة وهما الغالب عليه ومثله قوله :
"أصل دائنا التفرق والخلاف ، بدأ صغيراً في الدين ، ثم بدأ كبيراً في الدنيا . ومن الخلاف تشعبت شعبٌ تلتقي معه في الآفاق ، والنتيجة والشر والضرّ ، والطعم المرّ ...." .
• تناسق الصور البيانية ، وهي فوائد الإبراهيمي كمثل قوله : "يا شرق ، فيك من كل مكرمةٍ عرقٌ ، فاجرٌ على أعراقك الكريمة ، في تربتك نبت الإيثار والتضحية ، ومن أرضك انبجست الرحمة والرفق ...."6 .
إنّ ملكة البيان التي امتلكها الإبراهيمي قلّ توافرها إلا عند الطبقة العاملة من البلغاء من مثل الجاحظ والتوحيدي والرافعي ، وله في ظنّي قدرة تعلو عليهم :  
- فهو مثل الجاحظ حين يسوق الأمثال والتشابيه وحين يستطرد ، ولكن الإبراهيمي لا يخرج عن الجد إلى الهزل وكم هزل الجاحظ ، وحين سخر الإبراهيمي أو غضب فالقصد عنده كان مداواة النفوس وإصلاحها .
- وهو مثل التوحيدي حين ينتقل من الحقيقة إلى المجازات والكنايات ، ولكنه فكر مهموم بواقع الأمة لا يرضى لها الذل والاستكانة ، أما التوحيدي فقد انصرف إلى إمتاع الأمراء ومؤانستهم ، ثم إلى تمثل الإشارات حتى استسلم لليأس والقنوط ، وظل الإبراهيمي مجاهداً كأنه هو الأمة .
- وهو مثل الرافعي حين يبدع الاستعمارات وينافح عن الدين والفضائل ، ولكنه لا يغيب المعاني والدلالات ، وكان الرافعي ينساق مع الاستعارات حتى تنفلت منه المعاني وتغيب ، كان الإبراهيمي يجاهد أمراض النفوس والاجتماعوكيد الاستكبار وكان الرافعي يجاهد خطل المؤلفين.
-
4- الخلاصات :
هذه الورقة كانت محاولة لتبيان ملكة اللسان التي كانت للإبراهيمي ، وبها صار شاهداً على بقاء العربية مقوماً ثابتاً للشخصية الجزائرية .
أن يكون في الجزائر زمن الاستكبار الفرنسي من هو في مثل بلاغة الجاحظ والتوحيدي والرافعي ، فذلك ما يقض مضاجع من راهنوا على تخريب الهوية الجزائرية .
ومن أروع ما يشهد للإبراهيمي بلوغه الذروة في الوعي بضرورات البيان أنه جعل بين الكلمة والثقافة نسباً ، فكان ينتقيها ويجعل منها مشهداً من مشاهد الانتماء ، وهو في ذلك يتبع المنهج القرآني الذي يجعل مثل الكلمة الطيبة كشجرة طيبة .

الهـوامـش:
1- آثار الإبراهيمي ، ج3 ، ص 509 .
2- نفسه ، ج3 ، ص 505 .
3- نفسه ، ج3 ، ص 480
4- نفسه ، ج3 ،ص 428 .
5- نفسه ، ج3 ، ص 396 .
6- نفسه ، ج3 ، ص 486 .

مجلة الوعي العدد2 نوفمبر2010