مقالات الإبراهيمي

بيان مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة

عدد القراء : 3655

      ومضى على الثورة عشرة أيام ونحن نحترق شوقاً إلى الإطلاع على حقيقة ما يجري هناك ، وكيف ابتدأت الثورة ؟ وما هي العناصر التي قامت بها ؟ وبأية صبغة تصطبغ ؟ وإلى أي اتجاه تتجه ؟ وهل انتشرت ؟ حتى نبني على مقدماتها الصحيحة نتائج صحيحة ، ونستطيع أن نتحدث عليها بالصدق ونصفها لإخواننا الذين لا يعرفون الجزائر ، ونصوّرها بصورتها الحقيقية من غير مبالغة نغرّهم بها ، ولا تقصير يثبط العزائم ، وحتى نغذيها بما نستطيع من وقود روحي أو مادي ، إذ لا يستطيع العاقل أن يتحدث عن شيء يجهل تفاصيله وإن كان يعرف أسبابه .




انفجر بركان الثورة المباركة في الجزائر ليلة اليوم الأول من نوفمبر الحالي وقد كنا نحن الجزائريين الموجودين خارج الجزائر نترقّب هذه الثورة ونتوقعها ، نترقبها لأنها الأمل الوحيد في تحريرنا من العسف الفرنسي الذي لا يعرفه إلا من ابتلي به ، ونتوقعها لأنّ هذا هو وقتها ، ولأنّ فرنسا لا تفهم إلا هذه اللغة ولا يفتح آذانها إلا هذا الصوت .
ومضى على الثورة عشرة أيام ونحن نحترق شوقاً إلى الإطلاع على حقيقة ما يجري هناك ، وكيف ابتدأت الثورة ؟ وما هي العناصر التي قامت بها ؟ وبأية صبغة تصطبغ ؟ وإلى أي اتجاه تتجه ؟ وهل انتشرت ؟ حتى نبني على مقدماتها الصحيحة نتائج صحيحة ، ونستطيع أن نتحدث عليها بالصدق ونصفها لإخواننا الذين لا يعرفون الجزائر ، ونصوّرها بصورتها الحقيقية من غير مبالغة نغرّهم بها ، ولا تقصير يثبط العزائم ، وحتى نغذيها بما نستطيع من وقود روحي أو مادي ، إذ لا يستطيع العاقل أن يتحدث عن شيء يجهل تفاصيله وإن كان يعرف أسبابه .
لبثنا هذه المدة نتلقى الأخبار من محطات الإذاعة العالمية ، ومن الجرائد المحلية المستوفية من وكالات الأنباء ، ولكنها لا تشفي غليلاً في هذا الباب ، وقد توقعنا في التضليل حينما تذكر أسماء القرى والأماكن محرّفة بسبب الترجمة ، وأنّ استنتاجنا نحن الجزائريين العارفين بأجزاء وطننا لا يكون صحيحاً مفيداً إلا إذا عرفنا أسماء الأماكن والقرى صحيحة الألفاظ لنستخرج الفائدة من شلل المواقع والمسافات بينهما من التشابه في الخصائص ، بحيث تكون طبائعها التكوينية تتعاضد على ما ينفع الثورة ، ويدفعها إلى الدوام والانتشار .
واليوم وصلنا العدد رقم 292 من جريدة "البصائر" لسان حال جمعية العلماء الجزائريين المؤرخ بيوم الجمعة 9 ربيع الأول سنة 1374 الموافق 5 نوفمبر سنة 1954 وهو أول عدد يصلنا بعد الثورة .
وفي افتتاحيته لسرد مرتب للحوادث التي حدثت في ساعة واحدة من الليلة الأولى للثورة ، ففهمنا من هذا السرد المجرد من التعاليق أشياء كثيرة منها أنّ وقوع عدة حوادث لحظة واحدة ، يشهد بحسن التدبير والنظام والإحكام , ومنها أنّ الثورة شعبية غير متأثرة بالتأثرات الحزبية ، ومنها أنّ طابعها عسكري حازم عارف بمواقع التأثير .
وها نحن أولاء ننشر جدول الحوادث التي وقعت في ظرف ست ساعات من ليلة واحدة نقلاً عن العدد المذكور من "البصائر" ، وقد استندت فيه إلى شهادة المعاينة وإلى الرسميات :
حوادث الليلة الليلاء :
ليلة 1 نوفمبر سنة 1954 :
ما نصّه بالحرف :
فوجئت البلاد الجزائرية بعدد عظيم من الحوادث المزعجة ، وقعت كلها ما بين الساعة الواحدة والساعة الخامسة من صبيحة الاثنين غرة نوفمبر ، وهو عيد ذكرى الأموات (عند المسيحيين) ولقد بلغ عدد الحوادث ما يزيد عن الثلاثين ، ما بين الحدود التونسية وشرقي عمالة وهران ، إلا أنّ عمالة قسنطينة وخاصةً جهاتها الجنوبية كانت صاحبة المقام الأول فيها وكادت تتركز الحوادث في جهات جبال أوراس ، في خط يسير من باتنة إلى خنشلة ، ثم يشمل الجنوب .
وتلي عمالة قسنطينة بعض جهات العمالة الجزائرية كبلاد القبائل والعاصمة الجزائرية وبوفاريك .
إننا إلى حد هذه الساعة لا نملك التفاصيل المقنعة عن هذه الحوادث وأسبابها ، وليس بين أيدينا إلا ما تناقلته الصحف وشركات الأخبار ، فلا نستطيع أن نعلّق عليها أدنى تعليق ، إلى أن تتبين لنا طريق الصواب ، فليس من شأن "البصائر" أن تتسرع في مثل هذه المواطن .
لكننا من جهة أخرى ، رأينا أنه لا يمكن أن يخلو هذا العدد من جريدتنا من ذكر هذه الحوادث التي تناقلت صحف العالم بأسره تفاصيلها ، فقررنا الاكتفاء بذكر أهما ، تاركين للزمن كشف الحقائق عن أسرارها ، ولسوف نتتبع ذلك بغاية الدقة والاهتمام .
مدينة الجزائر : انفجرت قنبلة من الصنع المحلي أمام بوابة راديو "الجزائر" فأحدثت به أضراراً ، وقد وجدت قنبلتان لم تنفجرا .
ووقت محاولات إحراق مستودع زيت الوقود الذي يملكه مسيو موري ، والذي يخزّن ثمانية أطنان من البترول في شارع دينان ، ولقد تنبّه الحرس وأطفئت النيران ولم تقع الكارثة .
في مدينة بوفاريك : انفجرت قنبلة في مستودع خزن الفواكه ، فاحترق المستودع الذي تبلغ قيمته خمسة ملايين واحترقت الصناديق الخشبية المعدّة للتصدير ، وقيمتها 25مليوناً .
في بابا علي : وقع إحراق معمل الورق وتمكّنت فرق المطافئ بعد جهدٍ جهيد من إخماد النيران .
في مدينة العزازفة : وقت مهاجمة دار الجندرمة ورميت بسبعة وأربعين صاصة تبيّن أنها من رصاص البنادق الطليانية صنع سنة 1946 .
وفي الوقت نفسه وقع إشعال النار في مستودع البهش (قشر الفرنان) الذي تملكه إدارة الغابات والمياه ، فكانت الخسائر به عظيمة جداً ، والتهمته النيران ، وبلغت قيمة الخسائر نحو الخمسين مليوناً .
ولقد حطّمت في ذلك الوقت أعمدة الأسلاك التابعة لإدارة البريد فأصبحت المدينة في عزلة تامة .
في بقية بلاد القبائل الكبرى ، وحول مدن وقرى : بوغني ، دلس بوبراق ، برج منايل ، وغيرها وقع تحطيم وإتلاف أعمدة الأسلاك التليفونية .
في ذرع الميزان : وقع التحام قتل فيه أحد حراس الغابة .
في تيزي نتليته : قتل أحد حراس الغابة أيضاً .
إلى غير ذلك من مثل هذه الحوادث في عدة قرى ببلاد القبائل .
في عمالة وهران :
وقعت محاولة تحطيم المولد الكهربائي في وليس ، لكن العملية لم تسفر عن خسائر .
في جهة كسان : وقت مهاجمة ضيعة أحد المستعمرين ، وجرح أحد الحراس ، والتجأ أحد أصحاب الضيعة إلى دار الجندرمة ، لكنه لم يكد يصلها حتى أصابته رصاصة أردته قتيلاً .
ووقعت مهاجمة دار الجندرمة فجرح أحد حراسها الليليين .
في عمالة قسنطينة :
كانت الحوادث كثيرة وخاصةً في شرقها وجنوبها .
في خنشلة : وقعت مهاجمة إدارة الحوز الممتزج ، وكوميسارية البوليس ، كما وقعت مهاجمة رجال العسكرية ، ووقع تحطيم الخزان الكهربائي ، وقتل ثلاثة من رجال الجيش .
وسحبت السلطة من المنطقة حرّاس الغابة والسواحين ، ثم احتلت فرقتان عسكريتان أريس ورفعت عنها الحصار .
وأعلنت حالة الحصار في كامل تلك الجهة وباتنة وبسكرة وخنشلة ، ومنع التجول ابتداءً من الساعة الثامنة.
وقطعت الأسلاك البرقية على طريق أريس .
في بسكرة : وقع تفجير قنبلة أمام المعمل الكهربائي ، كما انفجرت قنابل أخرى أمام الثكنة العسكرية ، وأمام الكمسارية ، وفي محطة السكة الحديدية ، ولقد جرح أحد رجال البوليس كما جرح أحد الحراس .
أما الطريق بين بسكرة وأريس فقد منع التجوّل بها ، وأخذت طائرة عسكرية تحوم حول كامل تلك الجهات.
ولقد أرغم رجال مسلحون عربة نقل كبيرة على الوقوف وأنزلوا ركابها واختاروا منهم ثلاثة ثم أمروا الباقين بالرجوع إلى مقاعدهم .
أما الثلاثة فهم قائد مشاونش ، ومعلم فرنسي وزوجه ، ولما لم يمضِ على زواجهما أكثر من شهرين ، فقد أطلقوا عليهم الرصاص ، فمات القائد والمعلم وجرحت زوجه جراحاً خطيرة ، وهي الآن في مستشفى أريس .
في الأوراس : وهي المنطقة الجبلية الوعرة الشاسعة ، وقعت عدة حوادث في شتى الجهات ، وكان الرجال المسلحون يباشرون العمليات ثم ينسحبون إلى الجبال ويدمرون وراءهم الجسور ، ولقد قتل واحد منهم وجرح آخرون ، وحاولوا الاستيلاء على منجم ايشمول ، لكنهم انسحبوا بعد معركة عنيفة أطلقت خلالها ستمائة طلقة نارية .
وحوصرت مدينة "أريس" المركزية في الأوراس من طرف الرجال المسلحين .
في باتنة : وقع إطلاق الرصاص بقوة مدى ساعة من الزمن ، كان يسمع على مسافة كيلومترين من المدينة ، وهوجمت ثكنة فرقة الشاسور فقتل بها جنديان ، واكتشفت قنبلة في مستودع التنكات لم تنفجر .
في الخروب : وقع إطلاق القذائف النارية على حارس مستودع الوقود العسكري ، لكنه لم يصب بسوء .
في السمندو : وقعت مهاجمة دار الجندرمة وكسر بابها الخارجي ، وأطلق الرصاص على من بداخلها .
وأسفرت كامل هذه الحوادث عن سبعة من القتلى ، وعدد من الجرحى لم يعرف بعد .
هذه خلاصة وجيزة عن الأعمال التي وقعت يوم الاثنين ، لخصناها بغاية الدقة عن الصحف الفرنسية ، و لربما عدنا إليها في مستقبل الأيام بشيء من الإطناب ، إن اقتضى الحال ذلك .
ولقد قابلت الحكومة هذه الحوادث بتجهيز كامل قواها العسكرية واستنجدت بفرنسا فأمدّتها سريعاً بثلاثة من فرق المظلات ، وسلّحت البوليس وشدّدت الحراسة في المدن والقرى حول الإدارات والجسور وغيرها ، ثمّ ألقت القبض يومي الإثنين والثلاثاء على جماعات مختلفة في عدة مدن .
ولقد عقد الوالي العام ندوة صحفية تكلّم فيها عن هذه الحوادث ، فقال أنها حوادث أمليت إملاءً من الخارج ، واستشهد طويلاً بأقوال مذياع "صوت العرب" من القاهرة ، وقال أنّ الذين دبروا هذه الحوادث ونفذوها يريدون أن يتخذوا منها حجة لدى هيئة الأمم المتحدة لتنفيذ ما تقوله فرنسا من أنّ الأمن مستتب بالقطر الجزائري .
أما الصحف الفرنسية فقد انقسمت إلى قسمين ، سواء بالجزائر أو بالبلاد الفرنسية ، فالقسم الملي المتطرف ينادي بوجوب الزجر والبطش واستعمال الشدّة لاستئصال جذور هذه الحركات ، أما الصحافة الحرة والتقدمية والمنصفة ، فتنادي بوجوب استئصال الداء بواسطة دراسة عادلة للوضعية الجزائرية وتحقيق العدل والإنصاف في سائر الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، فالمشاكل الكبرى لا تحلّ بالعنف والبطش والإرهاب ، إنما تحلّ بالدراسة و المفاهمة الصريحة والرجوع إلى الحق .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1- بيان صدر عن مكتب الجمعية بالقاهرة يوم 11 نوفمبر 1954 ووزع على وسائل الإعلام المصرية ووكالات الأنباء .

عن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة
محمد البشير الإبراهيمي  
و الفضيل الورتلاني