مقالات حول الإبراهيمي

الإمام الإبراهيمي في ضمائر العلماء والمفكرين

عدد القراء : 1685

      إنّ الفضل هو ما شهد به المغايرون لفكرنا ، أو حزبنا ، أو إيديولوجيتنا ، ولو أردنا أن نستعرض ما قاله في الشيخ الإبراهيمي أعلام من الفكر والثقافة لما وسعتنا المجلة بكاملها ، فمن فرحات عباس ، إلى محفوظ قدّاش ، وماري نجم ، وبوعلام بالسايح ، والهاشمي التيجاني ، وكلهم وإن تباينت قناعاتهم الدينية ، وانتماءاتهم السياسية ، مجمعون على أنّ الإبراهيمي وجمعية العلماء هي الروح التي نفخت في الثورة الجزائرية بالإعداد والإمداد والاستشهاد ، ومن ينكر هذا فهو أعشى البصر والبصيرة "إنّما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثمّ إليه يرجعون"



الأستاذالدكتور عبدالرزاق قسوم

لأن يفتتن بفكر الإمام محمد البشير الإبراهيمي ثلّة من العلماء ممّن أشربوا حبّ العربية ، ورضعوا رحيق إعجازها وألغازها ، فيبوّئوه المكان الأسمى ، والعنوان الأسنى فذلك كله أمر طبيعي ،
ولأن يهيم حباً بالأسلوب الإبراهيمي في جزالته ومتانته ورصانته ، ثلّة من الأدباء ، من الذين امتهنوا الأدب العربي رسالة ، والقافية العربية أصالة ، والجملة العربية بلاغة ، فذلك أيضاً نافل القول .
إنّ الذين نشأوا بين أحضان لغة الضاد يترنمون بأهازيجها ويتندرون بعذب موسيقاها وطيب أريجها ، لا عذر لهم في أن لا يذوبوا في سلامة البيان وحكمة البرهان ، ودقة العرفان التي هي من خصائص الإبداع الإبراهيمي ، وقد غدت لازمة من لوازم أدبه ورائعة من روائع سجعه وحكمته .
فوسط ثلّة من العلماء الأولين وثلّة من الأدباء الآخرين ، تنتظم كوكبة طويلة ، متنوعة الحلقات ، متلألئة السباك ، من أمثال الأساتذة والدكاترة : محمد بهجت البيطار ، ومحمد فاضل الجمالي ، وخليل مردم ، ومحمد عبد اللطيف درّاز ، وعبد العزيز الميمني ، وعمر بهاء الدين الأميري ، وسيد قطب ، ومحمد نصيف ، ومحمد إبراهيم الكتاني ، ومحمد الطاهر ابن عاشور ، ومحمد ابن العربي العلوي ، ومحيّ الدين القليبي ، وفارس الخوري ، وجميل صليبا ، وغيرهم .
فما من هؤلاء إلا فارس في حلبة الثقافة العربية الإسلامية ، وبارع في ميدان الفكر والقلم ، غير أنّه ما إن يتصل بألوان الإنتاج الإبراهيمي ، نثره وشعره وسجعه ، إلا خرّ صريعاً أمام سمو إبداعه الفكري ، وعلّو تصويره الأدبي .
لكن المثير للدهشة ، والداعي إلى التعجب ، هو أن يفتن بنظريات الإبراهيمي السياسية ، ونضالاته الوطنية ، ومقاومته الاستبسالية ، وتنبؤاته المستقبلية ، جهابذة فكر! وأساطير قلم ! ومنظرو إيديولوجية ! ، ممن لا تربطهم بالإبراهيمي ثقافة اللغة العربية ، من أمثال : روجي غارودي ، وماري نجم ، ومالك حداد ، ولا إيديولوجية التنظير الإسلامي التي يبشر بها محمد البشير الإبراهيمي أمثال : عمّار أوزقان ، وفرحات عبّاس ، وجميل صليبا ، وعاشور شرفي ، .... وغيرهم ، فقد أجمع الجميع على الحقيقة الناصعة  وهي أنّ الحق فوق كل الإيديولوجيات ، والصدق قيمة إنسانية ، يلتقي حولها الجميع بمختلف قناعاتهم ، وانتماءاتهم ، لذلك وجدنا عبارة الشهادة والتقدير تجري على ألسنة هؤلاء المفكرين والمنظرين وأقلامهم ، وقد اتصلوا بالفكر الإبراهيمي ، فما كان لهم إلا أن يشيدوا بخصائص هذا الفكر ، وينشروا في الناس شذى عطره وذكره .
وخدمة منّا للقارئ العربي نحب أن ننقل إليه عينات من شهادات وإشادات هؤلاء المفكرين من حملة الثقافة الغربية في رائد الثقافة العربية محمد البشير الإبراهيمي ، يحدونا في كل هذا دافع الإنصاف والموضوعية ،وخدمة التاريخ والوطنية .
فهذا الأديب الجزائري ذائع الصيت "مالك حداد" المنفي داخل الثقافة الفرنسية ، كما يصف نفسه ، وصاحب الروائع الأدبية مثل : "رصيف الأزهار لم يعد يجيب" ورواية "سأهبك غزالة" وغيرهما ، هذا الأديب عندما كتب له أن يتصل بأدب الإبراهيمي ، وصور نضاله الوطني يقدم لنا شهادته عن جزائر الإبراهيمي ودوره فيها ، فيكتب في جريدة "المجاهد" الناطقة بالفرنسية ، وفي ملحقها الثقافي بتاريخ 21 ماي 1981م مايلي :
"في جزائر كانت تعاني التدنيس ، والقتل ، والعرق ، والأرق ، وبعدما جربت فرنسا فيها العدوان العسكري علينا والعدوان الاقتصادي ، أقدمت على عملية العدوان على الجانب الروحي ، والجانب الفكري ، والجانب العقلي ، بهدف إذابتنا في فكرها وتشويهنا .
في جزائر هذه خصائصها كان على الإسلام أن يصبح وطننا الوحيد ، وأن ينبري رجال لكتابة ذلك والإعلان عنه بالصوت العالي ، ونشره في الناس بكل شجاعة وإيمان .
لقد مثّل هذا الإعلان شهادة عقيدة إيمانية وشهادة سياسية وطنية ... مما جعل هذا الإجراء النبيل البوتقة التي أصبحت فيها العقيدة هي الحافز الأسمى والغاية المثلى للعمل وللأخلاق" .
ويضيف مالك حداد : "ومن بين هؤلاء الرجال الذين اؤتمنوا على المشعل الذي صار نوراً ، ثمّ ضياء ، ثمّ ناراً حارقة ، ذات صباح في نوفمبر من هؤلاء الرجال يبرز الشيخ "محمد البشير الإبراهيمي" الذي تحيي الجزائر يوم 20 ماي ذكرى وفاته1 .
وينتهي مالك حداد بعد تحليله الدقيق والعميق لآثار الإبراهيمي ، فيقدم لنا هذه النتيجة : "إنّ مؤرخي المستقبل الذين سيدعون إلى تقييم شخصية الشيخ محمد البشير الإبراهيمي وعمله ، ومسيرته ، سيجدون أنفسهم مسحورين بغزارة علمه وتنوّع فكره الذي عرف كيف يتعالى عن شعوره الوطني والقومي ليضع لنا تصوراً لمستقبل جزائر جديدة ، وقد استعادت مكانتها ضمن ثقافتها فاستطاعت أن تربط الصلات المتينة مع حضارة العصر الحديث .
فمن دمشق إلى تلمسان مروراً بتونس وسطيف ، في جو الرعب والقمع الذي كان سائداً آنذاك ، وفي منطق تشريعي محدود جداً ، وضمن سرية محفوفة بالمخاطر ، كان الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الرائد الذي لا تلين له قناة ، والحامل القدير لفكرة الدفاع عن قضية تمتد في عمقها مع النشيد العميق لجزائر الخلود ، لم يكن هذا الشيخ يبالي بأي خطر ، وهو ما كلّفه عوالم السجن ، والنفي ، والإقامة الجبرية2.
هذا هو محمد البشير الإبراهيمي المناضل في سبيل القضية الوطنية والحضارية كما تراءى لضمير الأديب الملتزم بقضايا ثقافة وطنه ، "مالك حداد" .
فإذا انتقلنا إلى منظّر إيديولوجي آخر هو عمّار أوزقان ، وعمّار أوزقان لمن لا يعرفه مناضل ملتزم بقضايا اليسار الإيديولوجي ، والاشتراكية العلمية ، فهو الذي قضى سواد حياته وبياضها دفاعاً عن الجزائر قبل كل شيء ، والطبقة الشغيلة . فليس هناك ما يجمع الاشتراكي العلمي الشيوعي عمّار أوزقان بالعالم المسلم الموسوعي الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ولكن تأبى القيم الوطنية السامية إلا أن تكون المشعل المشترك الذي يستضيء به كل الأحرار مهما تختلف إيديولوجياتهم ، من هنا وجدنا عمار أوزقان يخصص وقفة تأملية عميقة للشيخ محمد البشير الإبراهيمي ، فخصّص له في مجلة "الثورة الإفريقية" الناطقة بالفرنسية في عددها الصادر بتاريخ 29 ماي 1965م – أي بعد أسبوع من وفاة الشيخ – مقالاً موضوعياً ، يحمل عنوان "الوطني الذي لا يساوم" جاء فيه على الخصوص :
"شيّعت الجزائر الاشتراكية جثمان الشيخ محمد البشير الإبراهيمي آخر رئيس لجمعية العلماء ، شيعّته بجماهير غفيرة إلى مثواه الأخير ، ولقد كان هذا الرجل – بحق – الوطني الذي لا يقبل المساومة على مبادئ وطنه ، والذي كانت الإدارة الاستعمارية تعتبره الشخصية السياسية غير القابلة للرشوة أو فساد الذمة ، فقد قام بدور طلائعي ، سواء داخل الوطن أو خارجه ، بوصفه الإيديولوجي التقدمي للاتجاه البرجوازي الديمقراطي" .
ويضطر عمار أوزقان إلى استخلاص بعض النتائج مثل قوله : "لا أحد يجادل اليوم في حقيقة هامة وهي أنّ التعلّق بالإسلام قد كان روح الحركة المعادية للاستعمار ، والمحرك السياسي الديني للثورة ، سواء في مرحلتها النضالية الوطنية ، أو في مرحلتها الاجتماعية الجديدة .
لقد رفع الإصلاح في الجزائر طيلة ثلاثين سنة برنامجاً يتخذ شعاراً له هذه الصيغة النبيلة "الإسلام ديننا ، والعربية لغتنا ، والجزائر وطننا" إنّ هذا الإحياء الديني الذي مثلّه الإصلاح قد ساهم وبفعالية في تقليص وتحطيم النزعة الإصلاحية المزعومة ، الداعية إلى الاندماج ، التي كان يتزعمها الجزائريون المفرنسون ، كان نضال الإصلاح الديني بلا هوادة ضد التّجنس بالجنسية الفرنسية ، ومن أجل حماية قانون الأحوال الشخصية من المسخ ، والكفاح ضد تعيين المفتي الديني من طرف الكاتب العام للعمالة3 النصراني أو اليهودي أو الملحد ، وكل ذلك من أجل صيانة الشخصية الجزائرية .
لقد أتيح لي أن أكتب من السجن عام 1962م لأقول بأنّ : الحركة الإصلاحية كانت الدليل على تكوين الوعي الوطني ، تحت أشكال مختلفة ، وتنبثق كلها من الوعي بالمصلحة المشتركة العليا في مواجهة النظام الاستعماري ، وقمع الشعب الجزائري كله دون تفرقة بين فئاته وطبقاته .
كان الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمة الله عليه يؤكد دائماً على تنبيه الوطنيين الشرفاء ، بأنّ برنامج جمعية العلماء هدفه الأسمى هو التحرير الكامل للوطن .
وينتهي عمار أوزقان إلى هذه النتيجة من نتائجه ، وهي : "إنّ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي كان يمكن أن يكون المنظر المثالي في ديمقراطية وطنية ، حيث تحتاج السلطة إلى فلسفة الشيخ لإتمام عملية القضاء على الشرك والثنية ، وتقديس شخصية الطرقيين الذين يعبدون في البوادي كشركاء لله" .
هكذا أبّت الحقيقة الإصلاحية إلا أن تخرج من أفواه غير الإصلاحيين دينياً وأن تستقر في ضمائرهم .
وشبيه بهذه الشهادة ما وجدناه عند الاشتراكي الآخر روجي غارودي الفرنسي الجنسية الشيوعي الإيديولوجية ، والمسلم اليوم عقيدةً .
إنّ شهادة روجي غارودي عن الشيخ الإبراهيمي التي استقرت في ضميره منذ 1944م لم تخرج إلى الناس إلا في مقال كتبه في مجلة "الثقافة الجزائرية" عام 1985م ، يقول مايلي : "كانت هناك صورة كبيرة للأمير عبد القادر تغطي جدار صالون الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ، إنها الصورة الكبرى التي ارتسمت في ذاكرتي من أول لقاء لي بالشيخ محمد البشير الإبراهيمي عام 1944م ، فبعد نشر بحثي الموسوم بـ : "مساهمة الحضارة الإسلامية في الثقافة الإنسانية" استقبلني الشيخ وكنت مصحوباً بالأخ عمار أوزقان – الذي سيصبح فيما بعد وزير الزراعة في الجزائر المستقلة – هذا المناضل الذي قضيت معه ثلاث سنوات في السجن والمعتقل .
كان الأمير عبد القادر المثل بالنسبة للشيخ محمد البشير الإبراهيمي ، الرمز والمثل في الحياة الدينية والعسكرية ، شرح لنا الشيخ أثناء استقباله لنا ، تواصل النضال الذي بدأه الأمير إلى ما بعد 1830م ، وهو ممتد اليوم في نضال الشعب الجزائري ضد التهديد بالقضاء على شخصيته ، وضياع هويته ، هذا الخطر الجاثم على صدر شعبنا ، منذ أكثر من قرن ، بفعل الغزو الاستعماري الفرنسي ويتواطأ ومساعدة الطرقية التي تتعاون مع المحتل تحت غطاء إسلام مظلوم .
لقد مثّل الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بمعيّة الشيخ عبد الحميد ابن باديس الروح لثورة ثقافية حقيقية في الجزائر ، والتي جعلت بالإمكان تحرير الشعب الجزائري عام 1962م من فترة مئة وثلاثين سنة من الاستيلاب ، مستعيداً بذلك هويته العربية الإسلامية ، والتي لم يتوقف شعب الجزائر عن الكفاح في سبيلها منذ الأمير عبد القادر ، ومروراً بالشيخ بوعمامة ، والمقراني ، إلى اندلاع ثورة 1954م ، والنصر الكامل المحقق عام 1962م" .
ويضيف غارودي : "إنّه في ضوء الإسلام فقط يمكن طرح قضية الجزائر كلها تحت كل جوانب أشكالها وأهمها ، أي الثورة الجزائرية ما كان هدفها تغيير مجموعة المستعمرين الحاكمة بجزائريين يمارسون الحكم بنفس القوانين ، إنّ المطلوب – حقاً – هو بناء مجتمع جديد قائم على قيم تختلف جوهرياً عن القوانين التي كانت سائدة منذ أكثر من مئة وثلاثين سنة من الممارسة الاستعمارية ، إنّ هذه القيم الجديدة هي القيم ذات الطابع الإسلامي ، وهذا يتطلب تغيير الإنسان ، وتغيير الهياكل ، ولعلّ الخطأ الذي وقع فيه الثوريون المزيفون هو أن يعملوا على تغيير كل شيء إلا تغيير ما بأنفسهم ، والقرآن صريح في هذا :"إنّ الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم" [الرعد ، 11] .
إنّ الفضل هو ما شهد به المغايرون لفكرنا ، أو حزبنا ، أو إيديولوجيتنا ، ولو أردنا أن نستعرض ما قاله في الشيخ الإبراهيمي أعلام من الفكر والثقافة لما وسعتنا المجلة بكاملها ، فمن فرحات عباس ، إلى محفوظ قدّاش ، وماري نجم ، وبوعلام بالسايح ، والهاشمي التيجاني ، وكلهم وإن تباينت قناعاتهم الدينية ، وانتماءاتهم السياسية ، مجمعون على أنّ الإبراهيمي وجمعية العلماء هي الروح التي نفخت في الثورة الجزائرية بالإعداد والإمداد والاستشهاد ، ومن ينكر هذا فهو أعشى البصر والبصيرة "إنّما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثمّ إليه يرجعون" [الأنعام ، 36] .
إنّ التاريخ صحائف ، وإنّ النضال أعمال ، فمن أراد التاريخ فعليه بالصحائف ، ومن أراد النضال فعليه بالأعمال ، وإنّ الأيام صحائف وأعمال ....

الهوامش:
1- الشيخ البشير الإبراهيمي ، الرائد شهادات وتقدير ، مقالات بالفرنسية ، جمعها نور الدين خندودي ، دار الأفكار ، الجزائر 2007 ، ص 56 .
2- المصدر نفسه ، ص 57 .
3- العمالة في اصطلاح ذلك العهد هي الولاية .

مجلة الوعي العدد2 نوفمبر2010