الرئيسية / محاضرات / مقومات الفكر الاصلاحي عند الامام محمد البشير الابراهيمي 4/3

مقومات الفكر الاصلاحي عند الامام محمد البشير الابراهيمي 4/3

3- التوعية و التربية : طريقة و منهجا
اعتمد الشيخ الابراهيمي في منهجه الاصلاحي على ركيزتين أساسيتين، هما. التوعية و التربية. و هما في الواقع ركيزتا جمعية العلماء ، فما كان للشيخ أن يحيد عنهما. و هو الأمين على مسيرة الجمعية و المضي بها قدما في طريقها الذي رسمته من أول يوم.
أما التوعية، فهي لجماهير الشعب، الذي هو هدف الاصلاح و وسيلته معا.
و أما التربية، فهي للطلائع التي ينتظر منها أن تقود معركة التحرير، و معركة البناء و التقدم فيما بعد.

التوعية:
و كانت التوعية في نظر الشيخ- كما هي في نظر جمعية الاصلاح منذ نشأت- تقوم على فهم الدين فهما صحيحا، بحيث تنشئ مسلما سليم العقيدة، صحيح العبادة، مستقيم السلوك، عزيز النفس، قوي الجسم، حر الإرادة،  مستنير العقل، محبا للخير، غيورا على أهله و وطنه و دينه، عالما بمن هو صديقه و من هو عدوه.
و كان انشاء هذا الجيل هو قرة عين الشيخ و إخوانه ، و كان هو معقد الأمل في تحقيق النصر المنشود على الاستعمار الفرنسي، و ما خلفه من آثار في الأنفس و العقول و الحياة، و كان الاستعمار الفرنسي اللعين يعرف تمام المعرفة : أن هذا الجيل هو الخطر الحقيقي على وجوده و بقائه في الجزائر، و لذا كان ماضيا في سبيله، مستعينا بربه، مشدود الأزر باخوانه من العلماء، و بشعبه الجزائري الأبي.
و كانت جولات الشيخ في طول البلاد و عرضها، و دروسه و خطبه و محاضراته، و أحاديثه الخاصة و العامة، و مقالاته في (البصائر) : كلها تدور حول ايقاظ الوعي الديني الحقيقي، و تنقية الفكر الاسلامي من الخرافات و الأباطيل و البدع، التي شوهت وجه الدين الجميل، و أضافت اليه من الزوائد و الشوائب ما كدّر صفاءه، و لوّث نقاءه، و من المحدثات ما عسّر الدين الذي أراد الله به اليُسر و لم يرد به العُسر، و ما جعل فيه من حرج.
و كل عمل في هذا السبيل يهدم لبنة من لبنات الاستعمار المخرب، و يضع لبنة في بنيان الجزائر العربية المسلمة، جزائر الغد، و يغرس الآمال في أنفس الجزائريين، بقدر ما يغرس المخاوف في قلوب الفرنسيين.

أشنع أعمال فرنسا في الجزائر:
و يتحدث العلامة الابراهيمي عن التخريب الهائل الذي مارسته فرنسا في الجزائر منذ احتلالها، فيقول(1) :
( كانت الجزائر قبل احتلال الفرنسيين لها في سنة 1830م، دولة مستقلة غنية، تملك خصائص الدولة في ذلك العصر، و أهمها العلم بالدين و الدنيا، و فيها من الأوقاف الاسلامية الدارة على العلم و الدين و وجوه البر ما لا يوجد مثله في قُطر إسلامي آخر، و منذ تغلب عليها الاستعمار الفريد في الخبث، و هو يعمل جاهدا على قتل شخصيتها بالقضاء على الدين و اللغة العربية، و كان أول عمل قام به هو مصادرة الأوقاف الاسلامية و المعاهد التابعة لها من مساجد و مدارس و زوايا، و تحويلها الى كنائس و ثكنات و اصطبلات و ميادين و مرافق عامة، ثم أصدرت قانونا لا نعرف له نظيرا في تاريخ البشرية العاقلة يقضي باعتبار اللغة العربية لغة أجنبية في وطنها و بين أهلها، يتوقف تعليمها على إذن خاص و شروط ثقيلة، و زادت تلك الشروط على الأيام ثقلا و عنتا، حتى أصبحت في السنوات الأخيرة لا تطاق، و أصبح معلم العربية يقف في قفص الاتهام مع اللصوص و السافكين، و تجري عليه العقوبات مثلهم بالسجن و التغريم و التعذيب.
ثم دأب الاستعمار ( من مائة و نيف و عشرين سنة) على طمس كل أثر للإسلام و العربية، و قطع كل صلة بينهما و بين الشرق، ليتم له مسخ الأمة الجزائرية، و إدماجها في الأمة الفرنسية، و لكن المناعة الطبيعية في هذه الأمة، و تصلّبها في المحافظة على التراث اللإسلامي المقدس، و على خصائصها الشريفة، دفع عنها ذلك البلاء، و أنقذها من ذلك المصير.

توعية الشعب و تنويره:
و يشرح الشيخ ما تقوم به جمعية العلماء من تنوير و توعية للشعب الجزائري، و تحرير عقله و وجدانه و إرادته من الأوهام و الضلالات، و شغله بمعالي الأمور عن سفاسفها، و وصله بالحق بدلا من ركضه وراء الباطل، عن طريق المساجد و الأندية و غيرها. فيتحدث عن مبدأ جمعية العلماء و غايتها فيقول:

غاية جمعية العلماء تحرير الشعب الجزائري:
« مبدأ جمعية العلماء يرمي الى غاية جليلة، فالمبدأ هو العلم، و الغاية هي تحرير الشعب الجزائري، و التحرير في نظرها قسمان: تحرير العقول و الأرواح و تحرير الأبدان و الأوطان، و الأول أصل للثاني، فإذا لم تتحرر العقول و الأرواح من الأوهام في الدين و في الدنيا، كان تحرير الأبدان من العبودية و الأوطان من الاحتلال متعذّرا أو متعسّرا، حتى اذا تم منه شيء اليوم، ضاع غدا، لأنه بناء على غير أساس، و المتوهم ليس له أمل، فلا يرجى منه عمل.
لذلك بدأت جمعية العلماء-من أول يوم نشأتها- بتحرير العقول و الأرواح، تمهيدا للتحرير النهائي، فوضعت برنامجا محكما، لوعظ الكبار و ارشادهم بالدروس و المحاضرات، حتى بلغت من ذلك أقصى غاية من الجهد و أقصى غاية من النتائج، و أصبح الشعب- في جملته- صافي الفكر، مستقل العقل، متوهج الشعور، مشرق الروح، فاهما للحياة، واسع الأمل فيها، عاملا للحرية و الاستقلال،  مؤمنا بماضيه، عاملا على ربط الحاضر بالماضي، و وصله بالوطن العربي الأكبر، متبصرا في وزن رجاله، لا ينطلي عليه غش الغشاشين و لا تدجيل الدجالين. و معلوم أن هذه المعاني لا تدخل النفوس دفعة واحدة، و إنما تكمل بالتدرج، و الذي وصل اليه الشعب الجزائري من هذا هو نتيجة نيف و عشرين سنة من أعمال جدية متواصلة، و لكنه لا يتم عادة في أقل من خمسين سنة.

أعمال جمعية العلماء في التعليم العربي و التوعية:
و يعدد الشيخ ما قامت به جمعية العلماء من أعمال مجيدة للشعب، فيقول:
أولا: زادت الجمعية على هذا العمل العام آخر خاصا، و هو العمل على تخرج جيل جديد، يتلقى هذه المعاني في الصغر، و يثبتها بالعلم الصحيح، لتحارب الاستعمار بسلاح من نوع سلاحه و هو العلم، فأسست في هذين العقدين من السنين نحو مائة و خمسين من المدارس الابتدائية للعربية و الدين، و شيدتها بمال الأمة، و صيرتها ملكا للأمة، و هي تضم اليوم ما يقرب من خمسين ألف تلميذ، من حملة الشهادات الابتدائية من مدارس الجمعية. ( و سنتحدث بتفصيل عن هذا المر عند حديثنا عن عنصر التربية).
ثانيا: بما أن المساجد التي هي تراث الأجداد، صادرتها الحكومة الفرنسية و صادرت أوقافها من يون الاحتلال، فأحالت بعضها كنائس و بعضها مرافق عامة، و هدمت كثيرا منها لتوسيع الشوارع و الحدائق و احتفظت بالباقي لتتخذ منه حبالة تجر أشباه الموظفين الدينيين، و مازالت الى الآن هي التي تعين الأئمة و الخطباء و المؤذنين و القومة، و لكنها تستخدمهم في الجاسوسية و المخابرات، و تجري عليهم المرتبات من الخزينة العامة، لذلك التفتت الجمعية الى هذه الناحية الحيوية و شيدت بمال الأمة نحو سبعين مسجدا في أنحاء القطر، لأداء الشعائر و إلقاء الدروس الدينية، و الحكومة الفرنسية تنظر إلى هذه المساجد نظرتها الى الحصون المسلحة.
ثالثا: في الجزائر مئات الآلاف من الشبان العرب المسلمين، فاتهم التعليم الديني و العربي، و لا تلقاهم الجمعية في المدارس و لا في المساجد، و الاعتناء بهم واجب، فأنشأت لهم الجمعية عشرات من النوادي المنظمة الجذابة، تلقي عليهم فيها المحاضرات العلمية و الدينية و الاجتماعية، و أدت هذه النوادي أكثر مما تؤديه المدارس و المساجد من التربية و التوجيه.
رابعا: أنشأت الجمعية للعمال الجزائريين في باريس و غيرها من مدن فرنسا عشرات من النوادي و زودتها بطائفة من الوعاظ و المعلمين من رجالها، يتعلم فيها أولئك العملة ضروريات دينهم و دنياهم، و يتعلم فيها أبناؤهم اللغة العربية تكلما و كتابة، و يتربون على الدين و الوطنية، و قد استفحل أمر هذه النوادي و أتت ثمراتها قبل الحرب الأخيرة، ثم قضت عليها الحرب، ثم حاولت الجمعية تجديدها بعد الحرب، غير ان التكاليف المالية تضاعف واحدها الى الآلاف، فكان ذلك وحده سببا للعجز.
خامسا: أنقذت الجمعية عشرات الآلاف من أبناء الجزائر من الأمية، بوسائل دبرتها و نجحت فيها نجاحا عجيبا، و أن هذا العمل من غرر أعمالها لأن الأمية تشلّ الشعوب.أ.هـ(2).

الميدان الداخلي أولى بالاهتمام:
كان أمام الشيخ البشير- و من قبله الشيخ ابن باديس- ميدانان للكفاح: ميدان الاستعمار الخارجي، و ميدان الاستعمار الداخلي… استعمار العقول و النفوس والضمائر بالأوهام و الضلالات و البدع، فاختار الشيخان البدء بالميدان الداخلي، فهو أحق و أولى بالاهتمام.
و علل ذلك الشيخ الإبراهيمي، فقال:
(كانت الحكمة لاختيارنا الميدان الأول للهجوم، أن موضوع النزاع ديني، و نحن علماء دين يعترف لنا بالإمامة العلمية حتى الاستعمار أن ينتصر لأوليائه في نزاع ديني انتصارا سافرا، و انما ينتصر لهم بوسائل أخرى لا تؤثر في هدفنا الذي نرمي إليه، و هو انتزاع الأمة من هؤلاء المستغلين لها باسم الدين، و انقاذها من جبروتهم، و  أننا اذا جردناهم من سلطانهم الوهمي، كانت معنا على الاستعمار الخارجي الحقيقي، و من لم يكن الشعب معه كان مخذولا في كل ميدان.
بدأنا هذه الحركة بجنب حركة التعليم الديني العربي، و أطلقنا عليها اسمها الحقيقي، و هو: (الاصلاح الديني) و هو اسم يهيج أصحاب البدع و الضلالات من المسلمين في الدرجة الأولى، و يهيج الاستعمار الخارجي في الدرجة الثانية، فكان من تفاوت التهيج فسحة، سرنا فيها خطوات الى النجاح، و كانت أعمالنا تسير في دائرة ضيقة، لأن الاستعداد لظهور جمعية العلماء لم يتم إذ ذلك، و كان مبدأ(العمليات) بدروس دينية و محاضرات.
و رأى المرحوم عبد الحميد ابن باديس: انه لا بد من جريدة تظاهر الفكرة و تخدمها، فأنشأ جريدة        (المنتقد) و هي أول جريدة اصلاحية بالشمال الافريقي، فكانت أرفع صوت و أفعل وسيلة لنشر الاصلاح الديني، فارتاع لها الاستعمار الفرنسي و عطلها في مدة قريبة بما يملك من قوانين، فأصدر المرحوم جريدة أخرى باسم (الشهاب) كانت أسد رماية، و أوسع خطى من سابقتها، و سكت عنها الاستعمار فنقلها صاحبها من جريدة الى مجلة، طال عمرها بضع عشرة سنة و رافقت سنوات الارهاص بجمعية العلماء، فسجلت خطوات الحركة، و كانت لها مواقف رائعة في عدة ميادين، فخدمت العلم و الدين و السياسة، و تردد صداها في المغارب الثلاثة، فتركت في كل قطر أثرا حميدا في النفوس، و فضحت الاستعمار الفرنسي فضائح لا ينسى خزيها، و بدروس الأستاذ عبد الحميد ابن باديس، و مجلة الشهاب، استحق لقب (باني النهضة الجزائرية بجميع فروعها)، و أنشأ بعض الاخوان جريدة سماها (الاصلاح) كانت لها جولات في حرب البدع و لكنها لم تعمر إلا قليلا.
تساوقت الآثار المختلفة الى غرض واحد، آثار دروس الإسلام الحية من ابن باديس في نفوس تلاميذه، و قد أصبحوا آلافا، و آثار دروسه العامة في التفسير و الأخلاق و الاجتماع، و قد أصبح سامعوها المتأثرون بها عشرات المصلحين بعد أن تكاثر عددهم و تلاحق  مددهم، و تعاونوا على تنوير الأفكار و توجيه الأذهان لفهم حقائق الدين و الدنيا، و هداية النفوس الضالة بإرشاد القرآن و سيرة محمد و أصحابه و تجلية التاريخ الاسلامي.
و تألف من ذلك كله حداء قوي مطرب، سارت عليه الأمة الجزائرية عقدا من السنين، و من سنة 1920م الى سنة 1930م، و استوى في التأثر الموافق منها و المخالف، و أوائل نهضات الأمم تفتقر دائما الى المخض هو الذي ينشئ فيها الحياة ثم يصفيها، و هو دليل حياة الشعور فيها(3).

التربية:
و كانت التربية في نظر الشيخ – و في نظر الجمعية- هي الوسيلة المُثلى لغرس التعاليم الإسلامية التجديدية، و معها النزعة العروبية و الوطنية- ، في عقول الناشئة و في قلوبهم. و مقامة تيار(الفرنسة) الذي يعمل منذ احتل الجزائر على أن يجردها من هويتها الاسلامية و العربية. و ذلك بفرض الفرنسية لغة وحيدة في التعليم، و إبعاد العربية تماما عن هذا المجال. و حذف الدين الإسلامي من مجال التربية و التعليم حذفا تاما، باعتبار أن الدولة (علمانية) (لائكية) و أنها لا تعلم الدين في مدارسها.
فكان المطلوب هنا عملا مضادا لما يهدف اليه المستعمر، تقوم التربية فيه على أساس أن الدين هو الأساس. و العربية هي اللسان.
فإذا كان التعليم الفرنسي السائد يقصد الى فرنسة الجزائريين، فان التعليم الذي قاده من قبل ابن باديس، و قاده من بعده الابراهيمي، يقصد الى إعادة (أسلمة) الجزائريين و (تعريبهم) أو الى إبقاء الإسلام و العروبة عند من بقيا عنده، و كان شعار جمعية العلماء منذ البداية: الإسلام ديننا .. العربية لغتنا..الجزائر وطننا !!
و لذا كان تركيزهم المستمر و الدؤوب على ضرورة (التعليم العربي) الذي يجب أن تتاح له فرصة بجوار (التعليم الفرنسي) السائد و المهيمن على الساحة كلها.
و كانت مناهج هذا التعليم و كتبه و لغته و معلّموه و إدارته و الجو المدرسي العام، كلها تصب في هذا الاتجاه.
حتى الأناشيد التي تحفظ للطلاب تغرس فيهم هذه المعاني، و تنمي فيهم هذه المشاعر، مثل النشيد المعروف الذي ألفه الامام ابن باديس نفسه، و يحفظه الجميع:
شعب الجزائـــر مسلــم          و إلـى العروبـة ينســب
من قـال حـاد عن أصلـه          أو قـال مـات فقد كــذب
و من حسن حظ الجزائر: أن الله تعالى وهبها رجلا مربيا من الطراز الأول، و منحه من المواهب و الملكات ما قاد به كتيبة التربية على بصيرة ووعي بالهدف المنشود، و المنهج المقصود، و أعدّ له من الرجال الكفاة من يذلّل بهم الصعاب، و يتخطى بهم العقاب. إنه الإمام ابن باديس الذي كان هدية الله للجزائر، كما يتحدث عنه الابراهيمي.
و من أراد أن يعرف أثر التربية و التعليم الذي قامت به جمعية العلماء، و بدأها الإمام ابن باديس، فليقرأ ما كتبه الامام الابراهيمي في البصائر، و نشر الكثير منه في (آثاره) التي نشرت بعد وفاته، و ان لم تستوعب كل ما خطه قلمه.
يقول الابراهيمي في احدى مقالاته أو دراساته عن جمعية العلماء و مؤسسها:
(و عبد الحميد بن باديس باني النهضة و إمامها و مدرّب جيوشها: عالم ديني، و لكنه ليس كعلماء الدين الذين عرفهم التاريخ الإسلامي في قرونه الأخيرة، جمع الله فيه ما تفرق في غيره من علماء الدين في هذا العصر، و أربى عليهم بالبيان الناصع، و اللسان المطاوع، و الذكاء الخارق، و الفكر الولود، و العقل اللمّاح، و الفهم الغواص على دقائق القرآن و أسرار التشريع الإسلامي، و الاطلاع الواسع على أحوال المسلمين و مناشيء أمراضهم، و طرق علاجها، و الرأي السديد في العلمِّيَّات و العمليات،من فقه الإسلام و أطوار تاريخه، و الإلمام الكافي بمعارف العصر، مع التمييز بين ضارها و نافعها، مع أنّه لا يحسن لغة من لغاتها غير العربية، و كان مع التضلع في العلوم الدينية و استقلاله في فهمها. إماما في العلوم الاجتماعية، يكمل ذلك كله: قلم بليغ شجاع يجاري لسانه في البيان و السحر، فكان من أخطب خطباء العربية و فرسان منابرها، كما كان من أكتب كتابها.
و هو من بيت عريق في المجد و الملك و العلم، يتصل نسبه الثابت المحقق بالمعز ابن باديس، مؤسس الدولة الباديسية الصنهاجية، إلى صناهجة القبيلة البربرية العظيمة التي حدثناكم عن دولها و آثارها بالجزائر، و المعز بن باديس هو جذم الدولة التي كانت بالقيروان، و يزعم بعض النسابين أنها يمنية وقعت الى شمال افريقيا في احدى الموجات التي رمى بها الشرق الغرب من طريق برزخ السويس في الأولين، كما رماه بالموجة الهلالية في الآخرين.
هذا الرجل النابغة يشهد التاريخ أنه واضع أساس النهضة الفكرية في الجزائر، و قد سلك لها المسلك العلمي الحكيم، و هو مسلك التربية و التعليم، و أعانه على ذلك استعداده الفكري و كمال أدواته، فتصدر للتعليم حوالي سنة 1914م بقسنطينة التي هي مستقر أسرته من المائة السابعة للهجرة، و عمره إذ ذاك دون الخامسة و العشرين، فجمع عليه عشرات من الشبان المستعدين فعلّمهم و رباهم و طبعهم على قالبه و نفخ فيهم من روحه، و بيانه، تطوعا و احتسابا، لا يرجو إلا جزاء ربه و لا يقصد غير نفع وطنه.
و كان – رحمه الله- يؤثر التربية على التعليم، و يحرص على غرس الفضائل في نفوس تلامذته قبل غرس القواعد الجافة في أدمغتهم، و يدربهم على أن ينهجوا نهجه في العمل للعروبة و الإسلام،  فما انتهت الحرب العالمية الأولى حتى تخرّج على يده و على طريقته جيل من الشبان، تتفاوت حظوظهم من العلم النظري، و لكنهم طراز واحد في العمل، و صحة التفكير، و الانقطاع للجهاد.
و كان من طريقته في التربية: أن يرمي الى تصحيح الفكر، و صقل العقل و ترقية الروح، و تقوية الخلق، و تسديد الاتجاه في الحياة، و أنه يستخرج من قواعد العلوم التعليمية قواعد للاجتماع، و ينتزع منها دروسا في التربية و الأخلاق.
فمن القواعد الاصطلاحية المعروفة قولهم- مثلا- الفاعل مرفوع، والعامل يتقدم. فمن أمثال هذه الجمل المبتذلة الدائرة على الألسن في دراسة العلوم: كان يستخرج من معانيها اللغوية: نظرات اجتماعية طبيعية. ككون الفاعل العامل مرفوع القدر عند الناس، و ككون العامل يجب تقديمه على الكسلان العاطل، في جميع المقامات.
و قد ذكر لي بعض من حضر درسه (4) في قول صاحب الألفية 🙁 كلامنا لفظ مفيد كاستقم). قال : سمعته يقرر القاعدة النحوية التي أرادها ابن مالك فسمعت ما أدهشني من التحقيق الذي لم يعهد من علماء عصرنا، بالأسلوب الذي لم يعهد من شراح الألفية سابقهم و لاحقهم، ما عدا أبا إسحاق الشاطبي، ثم انتقل الى شيء آخر نقلني الى شيء آخر، و سما بي من الدهشة التي ما فوقها مما لا أجد لها اسما، فكان درسا اجتماعيا، أخلاقيا، على ما يجب أن يكون عليه الحديث الدائر بين الناس، و أنه إذا لم يكن مفيدا في المعاش و المعاد، كان لغوا و ثرثرة و تخليط مجانين، و إن سمته القواعد كلاما، ثم أفاض في الاستقامة الدينية و الدنيوية و أثرها في المجتمع، فعلمت أن الرجل يعمل على أن يخرج من تلامذته رجالا، و أنه يجري بهم على هذه الطرائق ليجمع لهم بين التربية و التعليم، و كأنه يتعجل لهم الفوائد، و يسابق بهم الزمن، ما دامت الأمم قد سبقتنا بالزمن.
و هكذا كان الأمر، فإنه أخرج للأمة الجزائرية في الزمن اليسير جيلا يفهم الحياة، و يطلبها عزيزة شريفة، و يتدرع اليها بالأخلاق المتينة، و قد كان يدربهم على الأعمال النافعة، كما يدرب القائد المخلص جنوده، و يعدهم لفتح مصر، أو لقاء مصرع،  و لتلامذته إلى اليوم سمات بارزة في إتقان الدعوة الإصلاحية التي أعلنتها جمعية العلماء في حياته، و في صدق الاتجاه، و في إتقان صناعة التعليم على طريقته. و هم الرعيل الأول في الثورة الفكرية الجارفة، التي نقلت الجزائر من حال الى حال.
و قد كان تعليمه و الآفاق التي فتحها ذهنه الجبار، و أسلوبه في الدروس و المحاضرات، كل ذلك كان ثورة على الأوضاع التعليمية المعروفة في بلادنا، حيث ابتدأ التعلم، و توسط فيه، و في جامع الزيتونة حيث انتهى، و لم يكن عمله نتيجة دراسته التقليدية في البلدين، المحدودة بسنوات معدودة، و كتب مقروءة، على نحو ما في الأزهر، و إنما كان عمله نتيجة استعداد قوي، و ذكاء خارق، و فهم دقيق، و ذهن صيود لشوارد المعاني، غواص الى نهاياتها، كما وصفناه في أول الحديث.
و حج في سنة 1913م، و مر بالقاهرة ذاهبا و بدمشق آيبا و جاور بالمدينة ثلاثة أشهر بعد هجرتي اليها بسنتين، و كنا نجتمع في أغلب الليالي اجتماعا خاصا لا نتحدث فيه إلا عن القطر الذي يجمعنا و هو الجزائر، و البلد الذي يضمنا و هو قسنطينة، و الآمال التي تملأ نفوسنا، في ترقيته و إعداده للتحرير، فكنا نُجمع على أن لا وسيلة لذلك إلا العلم تنتشر أعلامه، و الجهل ينقشع ظلامه، ثم تصور الخواطر لي و له مدارس تشاد للنشء و ألسنة تتفق على العربية، و أقلاما تتشقق على الكتابة، فتصور لنا قوة الأمل ذلك كله كأنه واقع نراه رأي العين. فإذا انتهينا من التصورات أخذني بالحجة، و ألزمني بالرجوع  الى الجزائر، لنشترك في العمل المحقق للأمل، و أقام لي الدليل من الدين على أن هذا العمل أشرف و أقرب الى رضى الله من الهجرة، و لم أكن أنكر عليه هذا، و لكن والدي – رحمه الله- كان يأبى علي ذلك، فكنت أتخلص بالوعد بالرجوع عند سنوح الفرصة.
و رجع هو من عامه، فابتدأ التعليم، و انثال عليه الطلبة من المقاطعات الثلاث، و قدّر الله فرجعت بعد سبع سنوات من افتراقنا، فوجدت عمله قد أثمر،  و أملنا قد بدأ يتحقق، و وجدت الحرب قد فعلت فعلها في نفوس أمتي، فكان من آثارها حياة الاستعداد الفطري، الذي أماته الاستعمار في تلك المرحلة، التي عددنا لكم ما غرسته أيامها في نفوس الجزائريين من بذور خبيثة، كان من ثمراتها تخدير الشعور، و إضعاف المعنويات.
و كان لرجوعي الى الجزائر في نفس الشيخ عبد الحميد بن باديس ما يكون في نفس القائد اتسعت عليه الميادين، و عجز عن اقتحامها كلها، فجاءه المدد لوقته، و تلقاني رحمه الله بمدينة تونس، مهنئا لي و لنفسه و للوطن، و مذكرا بعهود المدينة المنورة، و مبشرا بمواتاة الأحوال، و تحقق الآمال، فكانت مشاركتي له بالرأي و التفكير و التقدير و الدعاية، أكثر مما هي بالتعليم و التدريب، لما كان يحول بيني و بين و بين الانقطاع الى ذلك من عوائق، و إن كنت شاركت في تحضير أذهان العامة للنهضة الكبرى بسهم وافر، بواسطة دروس و محاضرات، و رجع أفراد من الإخوان الذين كانوا بالشرق مهاجرين، أو طلابا للعلم، و جماعة من تلامذة الأستاذ ابن باديس الذين أكملوا معلوماتهم بجامع الزيتونة، تنطوي نفوسهم من أستاذهم على فكره و روحه، و من جامع الزيتونة على متونه و شروحه، فاستقام الصدد، و انفتح السدد، و تلاحق المدد، و كانت من أصواتنا مسموعة ما يكون من الصيحة رجت النائم، و من أعمالنا مجموعة ما يكون من الروافد انصبت في النهر فجاشت غواربه، و كانت تلك بداية النهضة بجميع فروعها، و الثورة الفكرية بتمام معانيها.أ.هـ.(5)
و بعد الشيخ ابن باديس: قاد الابراهيمي سفينة التربية و التعليم، فكان يعلم بنفسه أحيانا، و يوجه المعلمين، و يؤلف في التربية، حتّى أنه صنّف كتابا باسم (مرشد المعلمين) قدمه أحد أبناء الجمعية (الأستاذ محمد الغسيري) فقال:
( وضع أستاذنا الجليل محمد البشير الابراهيمي رئيس جمعية العلماء منذ سنوات، برنامجا حافلا للتعليم العربي بجميع أنواعه، و ضمّنه أصولا عظيمة من علم التربية، و قد سألناه منذ عامين: أن يجرد لنا فصولا عملية تتعلق بالسنوات الست الابتدائية ففعل، و سلمه لنا لنطبعه و ننتفع به، و طالعناه فلم نجده كالبرامج المعتادة، و إنما هو (معلم مكتوب). فهو يأخذ بيد المعلم و يسير به خطوة بخطوة الى الغاية لا يضل عنها و لا يجور، و كأنما هو (ملقن) من وراء المعلم يملي عليه الكلام و يرشده الى كيفية العمل. لذلك آثر جماعة من قدماء المعلمين تسميته ( مرشد المعلمين)6.

الهــــوامش:
1- في المذكرة التي قدمها مكتب جمعية العلماء في القاهرة الى مجلس الجامعة العربية، و نشرت في صحيفة (منبر الشرق) و (الدعوة) في أغسطس 1954 م، القاهرة.
2- نشرت في صحيفة (منبر الشرق) و صحيفة (الدعوة) أغسطس 1954م.
3- انظر: آثار البشير الابراهيمي (4/342 و ما بعدها).
4- سمعت هذا شخصيا من الجزائري المجاهد الأستاذ الفضيل الورتلاني رحمه الله.
5-انظر: آثار البشير الابراهيمي (4/340 و ما بعدها).
6-البصائر العدد 67- السنة الثانية من السلسلة الثانية/19/2/1949م.

أ.د. يوسف القرضاوي

الملتقى الدولي للإمام محمد البشير الإبراهيمي بمناسبة الذكرى الأربعين لوفاته
الجزائر 22-23 ماي 2005

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *