الرئيسية / محاضرات / مقومات الفكر الاصلاحي عند الامام محمد البشير الابراهيمي 4/2

مقومات الفكر الاصلاحي عند الامام محمد البشير الابراهيمي 4/2

أ.د. يوسف القرضاوي
2- التحرير و التوحيد:  محورا و هدفا

و كان هدف الشيخ الابراهيمي من عمله الاصلاحي الكبير الذي بدأه مع ابن باديس و رفقائه في الدرب، هو اعداد الشعب الجزائري المسلم ليوم لا ريب فيه، هو يوم التحرر من الاستعمار الفرنسي الاستيطاني المتغطرس، الذي طال ليله، و طمّ سيله.
و لن يحرر الوطن الجزائري من نير الاستعمار إلا الشعب الجزائري، و لن يتم ذلك إلا اذا حرّرنا نفسية الشعب من الخنوع للمستعمر، و من التبعية لثقافته، و من اليأس من مقاومته.
و حينئذ سيتحول هذا الشعب كلّه الى جنود للكفاح، بل الى أبطال تنشد الجهاد و الاستشهاد، حين تُحل العقدة، و تتحكم العقيدة، و تتضح الغاية، و تستبين الطريق، و تستحكم العزيمة، و يسود قبل ذلك كله: الايمان بالله، و الثقة بنصره، و الايمان بأن الحق مع الشعب المجاهد، و أن الباطل مع العدو المستعمر، و أن الحق لا بد أن ينتصر على الباطل، { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} (الأنبياء 18).
كان لا بد من غرس العزة في الأنفس، و اليقين في السرائر، و الأمل في القلوب، و البغض للذل و الخنوع، و الشعور بالسيادة، و التوق الى الحرية، و هذا ما فعلته (جمعية العلماء) و رجالها منذ تأسيسها، و في مقدمتهم رئيس الجمعية الأول : الامام عبد الحميد بن باديس، و نائبه الامام محمد البشير الابراهيمي.
و كان الابراهيمي – و هو أديب من الطراز الأول، له طابعه المتميز و أسلوبه الخاص- يرسل قلمه شواظا من نار على الاستعمار و وحاشيته، و أساليبه في القهر و بالإذلال  و محاولة طمس الهوية، و تغيير معالم الشخصية الجزائرية.
و كانت (البصائر) تحمل دائما ما يجود به قلم الشيخ، من نفحات على الوطن و لفحات على الاستعمار.

التحرير الذي ينشده الابراهيمي :
و التحرير الذي ينشده الامام الابراهيمي : تحرير عام شامل،  يشمل تحرير الإنسان، و تحرير الأرض، و تحرير الفرد،  و تحرير المجتمع..تحرير الرجل، و تحرير المرأة..تحرير العقل، و تحرير البدن. التحرير من الاستعمار الخارجي، و التحرير من الاستعمار الداخلي..هذا هو التحرير المنشود للإبراهيمي، و ان شئت قلت : انه التحرير الذي تنشده جمعية العلماء، فما الشيخ في وقفته إلا لسانها المعبر، و عقلها المفكر، و داعيتها المذكر.

إشاعة كلمة (الحرية) في محيط الشعب:
و كانت كلمة (الحرية) من الكلمات المحظورة، التي لا يجوز ذكرها في حديث و لا خطبة، و لا درس و لا محاضرة و لا كتاب. كأنمالا توجد في اللغة أصلا. و كان الاستعمار حريصا على اخفائها و إماتتها،  حتى جاء ابن باديس و إخوانه،  فأحيوها  بعد موتها، و نشروها من قبرها، و أشاعوها بين الناس، و حبّبوها اليهم. يقول العلامة الابراهيمي متحدثا عن سنوات المخاض و التحضير للنهضة الكبرى.
(كانت السنوات العشر التي هي أوائل المرحلة الثالثة في تقسيمنا كلها ارهاصات بتكوين جمعية العلماء، و كانت كلمات الوطنية، و الاسلام و تاريخه، و الحرية و الاستقلال، قد وجدت مساغها في النفوس، و ممرها الى العقول، لأنها كانت تخرج من لسان ابن باديس و صحبه العلماء الشجعان، الموثوق بعلمهم و دينهم و أمانتهم، فيرّن رنينها في الآذان، و يجاوز صداها في الأذهان،  بعد أن كانت هذه الكلمات محرمة في فقه الاستعمار، و مهجورة في فقه الفقهاء، الذين نشأوا تحت رهبة الاستعمار، و مجهولة عند بقية الأمة، فكان أول من نطق بها على أنها لغة حية صحيحة الاستعمال، هو عبد الحميد ابن باديس  العالم الديني، و اثنان أو ثلاثة من طرازه، و لكن ابن باديس كان يقولها لتلامذته في حلق الدرس ليطبعهم عليها، فلما أحس بالنجدة من اخوانه أصبحت هذه (العملة) مطروحة للاستعمال في السوق العامة، و لذلك ارتاع لها الاستعمار و قدر عواقبها الوخيمة عليه، فاحتاط لها بما نشرحه لكم في الفصل الثاني، و هو أعمال الاستعمار في هذه المرحلة.
و كنت على أثر رجوعي و اجتماعي بهذا الأخ نتداول الرأي في هذا الموضوع، و نضع مناهجه، و نخطّط خُططه، و معنا بعض الإخوان، فأجمعنا في معرض الرأي الفاصل على أننا أمام استعمارين يلتقيان عند غاية.
أحدهما: استعمار روحاني داخلي: يقوم به جماعة من اخواننا الذين يصلون لقبلتنا باسم الدين، و غايتهم استغلال الأمة، و وسيلتهم صدّ الأمة عن العلم، حتى يستمر لهم استغلالها و هؤلاء مشايخ الطرق الصوفية التي شوهت محاسن الاسلام.
و الثاني: استعمار مادي:
تقوم به حكومة الجزائر باسم فرنسا، و غايته استغلال الأمة، و وسيلة سدّ أبواب العلم في وجه الأمة حتى يتم لها استغلالها، و الاستعماران يتقارضان التأييد، و يتبدلان المعونة، كل ذلك على حساب الأمة الجزائرية المسكينة، أولئك يضلونها، و هؤلاء يذلونها، و جميعهم يستغلونها !!
كنا نتفق على هذا، و لكننا نجمل الرأي في أي الاستعمارين، يجب أن نبدأ بالهجوم عليه، و لم يكن من الصعب علينا الاتفاق على الهدف الأول للهجوم، فاتفقنا على نبدأ بالهجوم على الاستعمار الأول و هو الطرق الصوفية، لأنها هي مطايا الاستعمار الفرنسي في شمال افريقيا و وسطها و غربها، و لولاها لم يتم له تمام.
و الصوفية أو الطرقية كما نسميها نحن في مواقفنا معهاهي نزعة مستحدثة في الاسلام لا تخلو من بذور فارسية قديمة،بما أن نشأة هذه النزعة كانت ببغداد في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة، و اصطباغ بغداد بالألوان الفارسية في الدين و الدنيا معروف، و تدسس بعض المتنطعين من الفرس الى مكامن العقائد الاسلامية لإفسادها، لا يقل عن تدسس بعضهم الى مجامع السياسة، و بعضهم الى فضائل المجتمع و آدابها لافسادها، و مبنى هذه النحلة في ظاهر أمرها التبتل و الانقطاع للعبادات التي جاء بها الإسلام،و مجاهدة النفس من طريق الرياضة بفطمها عن الشهوات، حتى تصفو الروح و تشف و ترق، و تتأهل لمشارفة الملأ الأعلى، و تكون بمقربة من أفق النبوة، و تتذوق لذة العبادة الروحية، و قد افترق النازعون الى هذه النزعة من أول خطوة فرقا و ذهبوا فيها مذاهب، من القصد الذي يمثله أبو القاسم الجنيد ، الى الغلو الذي يمثله أبو منصور الحلاّج، الى ما بين هذين الطرفين.
و كانت لأئمة السنة و حماتها، الواقفين عند حدودها و مقاصدها و مأثوراتها مواقف مع الحاملين لهذه النزعة، و موازين يزنون بها أعمالهم و آراءهم، و ما يبدر على ألسنتهم من القول فيها، و لسان هذه الموازين هو صريح الكتاب و صحيح السنة، و كانت في أول ظهورها بسيطة تنحصر في الخلود للعبادة، أو الجلوس لإرشاد و تربية من يشهد مجالسهم ، ثم استفحل أمرها فاستحالت علما مستقلا، يشكل معجما كاملا للاصطلاحات، و دونت فيها الدواوين التي تحلل و تشرح، و تصف الألوان الباطنية للنفس، و تبين الطريق الموصل الى الله، و الوسيلة المؤدية للسعادة، و كيفية الخلاص من مضايق هذا الطريق و أوعاره، ثم انتقلت في القرون الوسطى من تلك الأعمال التي تستر أصحابها، الى الأقوال التي تفضحهم، فخاضوا في شرح مغيبات، و أفاضوا في جدال مكشوف بينهم و بين خصومهم، و كانوا سببا من الأسباب الأصيلة في شق الأمة شقّين : أنصار، و منكرين، و ضاعت في هذا الضجيج ثمرة هذه النحلة، و هي رياضة النفس اللجوج على العبادة، و قمع نزواتها البدنية، و أصبحت هذه النحلة أقوالا تدافع، يقولها من لا يفقه لها معنى، فضلا عن أن تصطبغ بها نفسه، و الحق في هذه النزعة أنها صبغة روحية مرجوحة في ميزان الشرعو أحكامه، و انما يقبل منها ما يساير المأثور، و لا يجافي المعروف من هدي محمد و أصحابه، فان الدين قد تكامل بختام الوحي، و الزيادة فيه بعد ذلك كالنقص منه، كلاهما منكر، و كلاهما مرفوض، و ما لم يكن يومئذ دينا فليس بعد ذلك.
و لكن تلك النزعة التي عفا رسمها، بقي اسمها، و لم يبق بقاء تاريخيا للعظة و الاعتبار، و انما بقي فتنة بين المسلمين، و ميدانا لعلمائهم يتراشقون فيه و يتنازعون، و لعامتهم يلهون فيه و يلعبون، و يضلّون بسببه عن حقائق دينهم و دنياهم.
و انتهى بها الأمر في القرون الأخيرة الى نسبة مجردة من جميع المعاني، ينسب اليها – تقحما- كل من هب و دب، لا يطلبها من طريق علم و لا تربية، و لكن من طريق الشعوذة و الحيلة، ثم تدلت دركة أخرى، فأصبحت وسيلة معاش !و مصيدة لابتزاز أموال العامة، و انتهاكا لأعراضهم..و هناك التقت مع الاستعمار في طريق واحد، فتعارفا و تعاهدا على الولاء.
ابحثوا في تاريخ الاستعمار العام، و استقصوا أنواع الأسلحة التي فتك بها في الشعوب، تجدوا أفتكها في الاستعمال هذا النوع الذي يسمى ( الطرق الصوفية)، و اذا خفي هذا الشرق،  أو لم تظهر آثاره جلية في الاستعمار الانجليزي، فان الاستعمار الفرنسي ما رست قواعده في الجزائر، و في شمال افريقيا على العموم، و في افرقيا الغربية و في افريقيا الوسطى، إلا على الطرق الصوفية و بواسطتها !
و لقد قال قائد عسكري فرنسي معروف، كلمة أحاطت بالمعنى من جميع أطرافه قال: (ان كسب شيخ طريقة صوفية أنفع لنا من تجهيز جيش كامل، و قد يكونون ملايين ، و لو اعتمدنا في اخضاعهم على الأموال و الجيوش لما أفادتنا ما تفيده تلك الكلمة من الشيخ، على أن الخضوع لقوّتنا لا تؤمن عواقبه لأنّه ليس من القلب. أما كلمة الشيخ فإنها تجلب القلوب و الأبدان و الأموال أيضا ).
هذا معنى كلمة القائد الفرنسي و شرحها، و لعمري أنها لكلمة تكشف الغطاء عن حقيقة مازال كثير من اخواننا الشرقيين منها في شك مريب، و هم لا يدرون أن أول من خرج عن جماعة الأمير عبد القادر الجزائري في أيام جهاده هم شيخ طريقة معروفة، و أن من أكبر أسباب هزيمته استعانة فرنسا عليه بمشايخ الطرق الصوفية، و اعلان كثير من أتباعهم الخضوع لفرنسا، فهل نحتاج بعد هذا الى دليل ؟ و أن تاريخ تلك الوقائع لم يزل مداده طريا، و مازال الاستعمار بالجزائر يسمى هؤلاء المشايخ ( أحباب فرنسا).
و اني أتعجّل لكم البشرى بأن أحفاد أولئك المشايخ– الا ما قل- أصبحوا من أكبر الناقمين على الاستعمار، بل أصبح بعضهم من الغلاة في الوطنية، و في الصفوف الأولى من أنصار العلم و التعليم، و الداعين إليهما،  و الداعين على نشرهما بالجاه و المال، و لا تكاد توجد مدرسة من مدارس جمعية العلماء خالية من عدد من أولادهم، متعلمين أو معلمين، و منهم كثير في الجامعات الإسلامية : القرويين و الزيتونة و الأزهر.(1) اهـ.
و لي ملاحظتان على حملة العلامة الابراهيمي على الطرق الصوفية و مشايخها :
الأولى أنه لم يستثن أحدا، على نحو ما قال تعالى: {إلا الذين آمنوا و عمِلُوا الصّالحت و قليل ما هم} (ص 24).
الثانية: أن الشيخ الابراهيمي كان شديد الوطأة ، حار الهجوم، حديدي اللسان، على التصوف و الصوفية.
و لعل الحرب التي كانت دائرة بين الطرفين، هي التي زادت النار اشتعالا، و أن الاستعمار يؤيد أصحاب الطرق و يستعين بهم، و أن المتصوفة كانوا يتطرفون في محاربة دعاة الاصلاح و التجديد، حتى حكى الابراهيمي أنه سمع أحد الصوفية الكبار يقول عن العلامة رشيد رضا : انه أضر على الاسلام من ألف كافر.

التوحيد هو الهدف الثاني :
كانت الحرية – أو التحرير- هي الأمل الوحيد الذي يسعى الى تحقيقه الامام الإبراهيمي،  و كانت الوحدة – أو التوحيد- هي الأمل الثاني الذي يرنو اليه أو يصر عليه.
و هذه الوحدة تبدأ بوحدة الجزائر أولا، فوحدة الشمال الافريقي او المغرب العربي، فوحدة الأمة العربية، و انتهاء بوحدة الأمة الاسلامية.
و كانت وحدة الجزائر و الجزائريين هي شغله الشاغل، فهو يعمل دائبا بعلمه و لسانه، و فكره ووجدانه، و حركته مع إخوانه، لصهر عنصري الشعب الجزائري : عربه و بربره- كما هو الواقع- في بوتقة واحدة. و يرى أن الاسلام قد عرّب الشعب الجزائري، كما عرب المغرب العربي كله.
و هو يعجب من الذين يريدون أن يجعلوا البربر فرنسيين، و ليس بينهم و بين فرنسا نسب و لا آصرة دينية، و لا عرقية، و لا تاريخية، و لا جغرافية – في حين بينهم و بين العروبة أكثر من آصرة !!

البداية بتوحيد الشعب الجزائري:
كان سعي الشيخ في مجال التجميع و التوحيد: البدء بتوحيد الشعب الجزائري أولا. و هذا بدء طبيعي منطقي كما في الحديث:« ابدأ بنفسك ثم بمن تعول».
كان يريد أن يتوحد الشعب الجزائري توحدا حقيقيا، بحيث يكون كالبنيان المرصوص، يشّد بعضه بعضا، أو كالجسد الواحد، اذا اشتكى منه عضو تألم سائر الأعضاء.
و هنا لا يسمح بإثارة أي نوع من الخلافات بين الشعب الواحد، فلا مجال للقول بانقسام الجزائر الى عرب و بربر، فقد عرّب الاسلام البربر، كما عرّب المصريين و غيرهم من الشعوب.
و لقد بذل الأستاذ جهده، بتفنيد هذه الأسطورة، فنقضها من أساسها، و أثبت أن الأخوة الاسلامية قد أذابت الفوارق بينهما، و جعلت منهم شيئا واحدا، على مدار التاريخ.
و اجتهد الشيخ الابراهيمي أن يُجنِّب الشعب الجزائري أسباب الخلاف الديني، من جرّاء الاختلاف في قضايا علم الكلام، أو مذاهب الفقه، أو اتجاهات التصوف.
كما حذّر الشيخ من مكايد الاستعمار و دسائسه، و من همزاته و وساوسه، و من سياسته المعروفة، التي شعارها ( فرِّق تسُد).
و حاول الشيخ هو و رفقاء دربه: أن يجمعوا الشعب على الاسلام الصحيح، الاسلام الأول، اسلام القرآن و السنة، و أن يحرِّروه مما سوى ذلك من مبتدعات العامة، و ضلالات الخاصة، أو ما سماه الامام محمد عبده : شهوات سلاطين ، أو نزعات شياطين.
و قد حرص الابراهيمي على توحيد الشعب الجزائري في شعائره الدينية، كما حرص على توحيد مواقفه الوطنية، و قد جاهد و كافح من أجل توحيد الشعب في صيامه و فطره، و كتب في ذلك مقالات ضافية، يرُدّ بها على لجنة الأهلة المعينة من قبل السلطة الفرنسية، و يهيب بالشعب المسلم أن يوحد صيامه و إفطاره(2).

ضرورة الاتحاد و ضرر الخلاف:
بدأ الشيخ دعوته الى الإتحاد- كما قلنا- من المنطلق الطبيعي و المنطقي: و أن تتحد الجزائر و شعبها أولا في مواجهة الاستعمار الفرنسي بسلطانه و جبروته، فكانت الدعوة الى توحيد عنصري الوطن: العرب و البربر.
ثم كانت الدعوة الى اتحاد الأحزاب الوطنية التي تعمل لتحرير الجزائر. و كان الشيخ يلّح في هذه الدعوة و يؤكِّدها و يكرّرها، و يناضل عنها بقوة يقول في ذلك:
(كل مسلم عربي جزائري مخلص يُؤيدنا في الدعوة الى هذا الاتحاد. و يود منه ما نود. و يعتقد فيها ما نعتقده، من أنه المعقل الوحيد للقضية الجزائرية، و الوسيلة الوحيدة لنجاحها و يرى ما نرى من آثار هذا التفرق الشنيع الذي شتت شمل هذه الأمة الضعيفة، فزادها ضعفا على ضعف، في وقت تطلعت فيه الى المطالبة بحقّها، فهي فيه أحوج ما تكون الى جمع القوى، و التئام الشمل،و اتّحاد الكلمة.
ترد علينا رسائل كثيرة من عقلاء الأمة المخلصين لها، السالمين من عصبية الحزبية، و كلها حض على السعي في الاتحاد بين الأحزاب، و جمع الكلمة المتفرّقة في هذا الوقت، الذي تجمعت فيه جموع الاستعمار على دحض حقنا بباطله، و في هذا الجو الذي كله نذر و مخاوف، و الرسائل على كثرتها بحيث لا يخلو منها بريد يومي، و خصوصا في الأسابيع الأخيرة- كأنما كتبت بقلم واحد في أمور ثلاثة : التشهير بضرر الخلاف، و التنويه بضرورة الاتحاد، و تعليق الأمل في جمع الكلمة على كاتب هذه السطور و جمعية العلماء. و قد تغالى بعض الكاتبين، فعصب قضية الاتحاد برأس كاتب هذه الكلمة، و جعلها عهدة في عنقه، و بالغ بعضهم – و هو من ذوي الآراء النيرة و العلم الواسع و الاخلاص المحقق- فقفز الى غاية الغايات، و هي جمع الكفاءات في حزب واحد.
أما ضرر الخلاف على القضية الجزائرية، فهو أمر يستوي في ادراكه جميع الناس، و أما ضرورة الاتحاد فهي أمر لا يختلف فيه عاقلان، و هو أمنية كل مسلم مخلص لدينه و جنسه و وطنه، و قد شعر به المسؤولون من رجال الأحزاب فتداعوا إليه جهرة، في حين حدّة الخلاف و عنفوانه، و وجود أقوى أسبابه. و لا يماري في لزوم الاتحاد إلا قصير النظر و العواقب، أو خادم لركاب الاستعمار من حيث يدري أو لا يدري، أو مدخول النسب في الوطنية)(3).

توحيد الشمال الافريقي:
و بعد توحيد الجزائر شعبا و وطنا: توحيد فكرتها، و توحيد عبادتها، و توحيد وقفتها، و رصّها صفا واحدا في مواجهة المعركة المرتقبة، الآتية في يوم لا ريب فيه: اتجه الشيخ الى توحيد الشمال الافريقي – أو المغرب العربي- كله. فإنما هو وطن واحد، و شعب واحد، بعضه من بعض، و أقصاه موصول بأدناه، فهو شعب عربي مسلم، ربطت بينه و بين العروبة و الإسلام، كما ربط بينه الهمّ الواحد، و المصير الواحد، و هو محاربة الاستعمار، و تحرير البلاد من نيره و ناره، و من ذله و اساره.
لذا كان حريصا أن يثبت بنصاعة بيانه، و فصاحة لسانه، و سطوع برهانه: أن الشمال الافريقي كله عربي، كما أنه كله مسلم. و أن الاسلام قد أذاب بين الجميع كل الفروق العرقية، و وحّدهم خلف القرآن الكريم، و الرسول العظيم، كما وحدهم في الصلاة خلف امام واحد، يتلون كتابا واحدا، و يؤدون حركات واحدة، و يتعرّفون الى الله بعبادة واحدة، تفتتح بالتكبير، و تُختتم بالتسليم.
تحدّث الشيخ عن وحدة الشمال الافريقي بلسان صادق، و بيان دافق، و برهان ناطق، يقيم الحجّة على الخصم، و يخرس لسانه فلا يتكلم، و يفحمه فلا يجادل، تقرأ للشيخ مقالا في (البصائر) تحت عنوان (عروبة الشمال الافريقي) يقول فيه :
(عروبة الشمال الافريقي بجميع أجزائه طبيعية، كيفما كانت الأصول التي انحدرت منها الدماء، و الينابيع التي انفجرت منها الأخلاق و الخصائص، و النواحي التي جاءت منها العادات و التقاليد، و هي أثبتُ أساسا،  و أقدم عهدا، أصفى عنصرا من انكليزية الانكليز، و ألمانية الألمان.
قضت العروبة بقوّتها و روحانيتها، و أدبها، و سُموّ خصائصها، و امتداد عروقها، في الأكرمين الأُول من نبات الصحارى، و بُناة الحضارات فيه – على بربرية كانت منتشرة بهذا الشمال، و بقايا آرية كانت منتشرة فيه، و فعل الزمن الطويل فعله حتى نسى الناس و نسي التاريخ الحديث أن هناك جنسا غير عربي، و ضرب الاسلام بسره و لطف مداخله، و ملاءمة عقائده للفطر، و عبادته للأرواح، و آدابه للنفوس، و أحكامه للمصالح – على كل عرق ينبض بحنين الى أصل، و على كل صوت يهتف بذكرى الى ماض بعيد، و زاد العروبة تثبيتا و تمكينا في هذا الشمال هذه الأبجدية العربية الشائعة التي حفظت أصول الدين، و حافظت على متون اللغة، و دوّنت الآداب و الشرائع، و كتب التاريخ، و سجّلت الأحكام و الحقوق، و فتحت الباب الى العلمو كانت السبيل الى الحضارة.
كل هذه العوامل صيرت هذا الشمال عربيا قارّ العروبة على الأسس الثابتة :من دين عربي، و لغة عربية، و كتابة عربية، و آداب عربية، و منازع عربية، و تشريع عربي..و جاء التاريخ- و هو الحكم في مثل هذا- فشهد و أدى، و جاءت الجغرافيا الطبيعية فوصلت هذا الشمال بمنابت العروبة من جزيرة العرب..و جاء الزمن بثلاثة عشر قرنا، تشهد سنوها و أيامها بأنها فرغت من عملها، و تمّ التمام)(4).
و يعود الى الموضوع في خطابه التاريخي للوفد العربية و الاسلامية للأمم المتحدة في باريس فيقول:
( و ان هذا الشمال الافريقي كل لا يتجزأ تربط بين أجزائه دماء الأجداد، و لسان العرب، و دين الإسلام، و سواحل البحر في الشمال، و حبال الرمال في الصحاري و سلاسل الأطلس الأشم في الوسط. و اتحاد الماء و الهواء و الغذاء،و انها لخصائص تجمع الأوطان المتباينة، فكيف لا تجمع الوطن الواحد؟
ان تفرق هذه الأجزاء لم يأت من طبيعتها و انما جاء من طبائعنا الدخيلة، و من تأثراتنا الغريبة بالدخلاء، و انن متفائل بأن هذه الليلة ستكون فاتحة لعهد جديد، و اتحاد عتيد، و نور من الرحمة و الإخاء، ينتظم المغارب في سلك، انني متفائل بما يتفاءل به السارون المدلجون من ابلاج الفجر، فعسى أن يتحقق هذا التفاؤل فتكون هذه الليلة أول خيط في نسيج الوحدة الافريقية التي هي آخر أمل للمتفائلين مثلي، و أن العنوان الدال على ما وراءه هو: اجتماع جميع حركات الشمال الافريقي في هذا المحفل الزاهر، و أن البشير بتحقق هذا الأمل هو امتزاجنا بإخواننا الشرقيين حول هذا الموائد، و من بركاتهم أن تجتمع حركاتنا كلها في صعيد واحد، و كلها لسان يعبر، و قلب يفكر، و آذان تسمع، و إنا لنرجو أن تكون قلوبنا غدا غير قلوبنا بالأمس، و أن نفيء الى الحقّ الذي أمر الله بالفيأة إليه،  و إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم(5).

توحيد العرب:
و يعد وحدة الشمال الافريقي أو المغرب العربي: الجار ذي القربى، يسعى الى الجار الجنب، و هم : بقية العرب في المشرق، فيدعوا الى وحدة أمة العرب جمعاء، من محيطها الى خليجها.

توحيد أمة الاسلام:
و هو حين يدعو الى وحدة الجزائر، فوحدة المغرب العربي، فوحدة العرب: ينتهي الى الوحدة الكبرى لأمة الاسلام كلها، من المحيط الى المحيط، من جاكرتا الى مراكش.
و طالما كتب الابراهيمي يستصرخ المسلمين ليجتمع شملهم، و يتّحد صفّهم، و ينعى عليهم تفرقهم، و دينهم يوجب عليهم أن يجتمعوا، و ينكر عليهم تقاطعهم و مصلحتهم تفرض عليهم أن يتواصلوا. و قد كتب كلمة قوية في البصائر تحت عنوان (أرحام تتعاطف) جاء فيها:
( طالما نعينا على المسلمين خصوصا، و على الشرقيين عموما، هذا التقاطع الذي شتت شملهم، و فرق جامعتهم، و صيرهم لقمة سائغة للمستعمرين، و طالما شرحنا للمسلمين أسرار التواصل و التراحم و التقارب الكامنة في دينهم، و أقمنا لهم الأدلة، و ضربنا لهم الأمثال، و سُقنا المُثلات، و جلونا العبر، و كانت نُذُر الشر تتوالى، فيتمارون بها، و صيحات الضحايا منهم تتعالى، فيصمون عنها، و الزمن سائر، و الفلك دائر، و هم في غفلة ساهون.
دعوناهم الى الجامعة الواسعة التي لا يضيق بنزيل، و هي جامعة الاسلام، الى الروحانية الخالصة التي لا تشاب بدخيل، و هي روحانية الشرق، و حذّرناهم من هذه الأفاحيص الضيقة، و الوطنيات المحدودة، التي هي منبع شقائهم، و مبعث بلائهم، و بينا لهم أنها دسيسة استعمارية، زيّنها لهم سماسرة الغرب، و علماؤه و أدلاؤه، و غايتهم منها التفريق ثم التمزيق، ثم القضم، ثم الهضم، و أن الاستعمار – بهذه الدسيسة و أشباها- يُفسد فطرة الله فيهم، و ينقض دين الله عندهم، ففطرة الله تلهم نصر الأخ لأخيه، و حماية الجار لجاره، و دين الله يوجب حقوق الأخوة، و يدعو الى ايثار الجار و الاحسان إليه،  و هو بهذا يعمم التناصر، و يقيم في الأرض شرعة التعاون، فما من جار إلا له جار و الناس كلهم متجاورون، جوار الدار للدار، فجوار القرية للقرية، فجوار المدينة للمدينة، فجوار الوطن للوطن، فإذا أخذوا بهذه الشرعة و أقاموا حدودها عمّ التناصر و التعاون، و سدّت المنافذ على المُغيرين و على المفسدين في الأرض)(6).

داؤنا الانقسام و دواؤنا الوحدة:
و يذكر الشيخ الابراهيمي في خطابه الذي ألقاه في باريس أمام الوفود العربية و الاسلامية في الأمم المتحدة هذه الكلمات القوية المزلزلة و المعبرة عن داء الفرقة و دواء الوحدة بقلمه البليغ المبدع:
أيها الاخوان:
( ان النقطة التي ابتدأ منها بلاؤنا و شقاؤنا هي أنهم أرادونا على الانقسام، و زينوه لنا كما يزين الشيطان للانسان سوء عمله، فأطعناهم و انقسمنا، فوسعوا شقة الانقسام بيننا بأموالهم و أعمالهم و آرائهم و علومهم، و لم يتركوا أداة من أدوات التقسيم إلا حشدوها في هذا السبيل، و لم يغفلوا الأستاذ و الكاتب و الراهب و المرأة و التاجر و السمسار حتى بلغوا الغاية في تقسيمنا شيعا و دولا و ممالك، كما توزع قطعة الأرض الكبيرة الصالحة، الى قطع صغيرة لا تصلح واحدة منها و لا تكفي، ثم عمدوا الى خيرات الأرض فاحتكروها لأنفسهم، و استخرجوها بعقولهم المدبرة، و أيدينا المسخرة، فكان لهم منها حظ العقل، و لنا منها حظ اليد، و لو أننا تعاسرنا عليهم من أول يوم في تقسيمنا، و لذنا بكعبة الوحدة نطوف بها و نلتزم أركانها لما نالوا منّا نيلا، و لما وصلنا الى هذه الحالة.
أما و قد بلغوا من تقسيمنا ما يريدون، و أصبحنا في درجة من الضعف المادي و الضعف العقلي نعتقد فيها أن الله خلقنا خلقة الأرنب، و خلقهم خلقة الأسد، و جف القلم، و لا تبديل لخلق الله فأول واجب علينا، بل أول نقطة يجب أن نبتدئ منها السير، هي أن نكفر بهذا الانقسام، و نكفر عنه بضده، و هو الوحدة الشاملة لجميع الأجزاء، و كيف يكون ذلك و قد بينت على ذلك التقسيم أوضاع جديدة، و ممالك و ملوك و حدود، و ان تغيير الممالك لصعب، و ان فطام الملوك عن لذة الملك لأصعب منه؟ فلنلتمس مفتاح قضيتنا من بين هذا الركام، من الأدوات البالية، و لنعتصم بالأمر الميسور، و هو أن نوحّد التعليم و مناهجه، و التجارة و أوضاعها، و لنطمس هذه الحدود الفاصلة بين أجزاء الوطن الواحد، و ليرتفق بعضنا ببعض فيما يزيد فيه بعضنا على بعضا، و لنكن يدا واحدة على الأجنبي، و لنعتبر المعتدي على جزء منا معتديا على جميع الأجزاء، و عدو العراق هو عدو مراكش، و لنذكر من خصال الأمم ما فعلته ايطاليا في ضم أجزائها، و ما فعلته ألمانيا، و ما فعلته فرنسا التي لم تنم لها عين في قضية الألزاس و اللورين، و لو أن معتديا اعتدى على جزء من انكلترا( و هي كجزيرة العرب) تدعى الانكليز من أطراف الأرض لاسترجاعه، فلم لا نكون كذلك؟
انهم ان عملوا ذلك منا، و عملوا جدنا فيه تابوا عن سيرتهم فينا و أقلعوا، أما من لان للأكل فليس من حقه أن يلوم الأكلة.
و الذي روحي بيده…ما يسرني أن للعرب ثماني دول، و لا أن للمسلمين عشرين دولة، ما داموا على هذه الحالة، و انما يسرني و يثلج صدري، أن يكون المسلمون كلهم شعبا واحدا بحكومة واحدة، و على عقيدة في الحياة واحدة، و على اتجاه الى السعادة واحد، فإذا وجد هذا الشعب لم يبق لهؤلاء الأقوياء إلا أن يقولوا: ان في الشرق قوما جبارين، و انه لم يبق لنا بينهم موضع.
ان القوم استضعفونا، ففرقونا فأكلونا لقمة لقمة، فأوجدوا هذا الشعب الموحد تحيوا و تُحيوا العالم به، أوجدوه تسعدوا و تُسعدوا العالم به..إن العالم اليوم مريض، و انه يلتمس الشفاء، فأروه أن في الاسلام شفاءه، و أنه في خصام منهك، و أنه يلتمس الحكم، فأحيوا الاسلام الصحيح يكن حكما في مشكلة هذا العصر…مشكلة الغنى و الفقر…تكتلوا ففي استطاعتكم أن تتكتلوا …تكتلوا يمدكم العصر بروحه…إنه عصر التكتل، و إن الأقوياء لم تُغن عنهم قوتها شيئا، فأصبحوا يلتمسون أنواعا من التكتل القريب، و مع الغريب، فهذه، انكلترا تتكتل، و هذه أمريكا، و هذه روسيا…فكيف لا يتكتل الضعفاء ؟!)(7)انتهى.
قال هذا الشيخ قبل أكثر من نصف قرن(سنة 1952) فكيف لو عاش الى عصرنا، و رأى ما فيه من تكتلات و اتّحادات مثل الاتّحاد الأوروبي؟! الذي أمسى حقيقة واقعة، بعد حروب بين الأوروبيين بعضهم و بعض استمرت قرونا، آخرها الحربان العالميتان، اللتان سقط فيهما من القتلى و الضحايا بالملايين.

بدء تفرق المسلمين في الدين:
و يتحدث الشيخ الابراهيمي عن بدء ظهور التفرق في المسلمين حديثا يُنبىُ عن وعي بتاريخ الأمة الفكري فيقول:
أول ما نشأ في المجتمع الاسلامي من جراثيم التفرق في الدين: الكلام في القدر و الخوض في الصفات. و قارن ذلك حدوث الخلاف في الخلافة: فهل هي شعبة من الدين تفتقر الى تنصيص من الشارع؟ أو هي مصلحة دنيوية ترجع الى اختيار أهل الرأي من الأمة؟ و قد سبق الخلاف العملي الخلاف العلمي في هذه المسألة. و هي المعترك الأول الذي اشتجرت فيه الآراء حتى تطرفت، بعد أن اشتجرت فيه الرماح حتى تقصفت. كما أنها أول مسألة امتزجت فيها الأنظار الدينية بالأنظار الدنيوية (أو السياسية) كما يقولون. و في هذا المعترك نبتت جرثومة التعصب الخبيثة.
ثم توسعت الفتوحات و بسط الاسلام ظله على كثير من المماليك التي كانت لها أثارة من عمران و شيء من سلطان. و دانت له كثير من الأمم. و في كل أمة طوائف دخلت الإسلام،  و هي تحمل أوزارا من بقايا ماضيها. و ما كادت هذه المجموعات البشرية تمتزج و يفعل الاسلام فيها فعله. حتى ظهرت عليها أعراض التفرق.
فظهر أصحاب المقالات في العقائد، و أحدثوا بدعة(التأويل) الذي هو في الحقيقة تخريف مسمى بغير اسمه.
و توفرت الدواعي لظهور المذاهب الفقهية، و المذاهب الكلامية، و المذاهب الصوفية، في أزمنة متقاربة، و كان لترجمة الفلسفة اليونانية و الحكمة الفارسية و الهندية أثر قوي في تعدد المذاهب الكلامية و الصوفية، بما أتت به الأولى من بحث في الالهيات على الطريقة العقلية الصرفة، و بما غذت به المتكلمين من الأنظار المختلفة، و أمدتهم به من طرائق الجدل و قوانينه. و هذا هو مبدأ التفرق الحقيقي في الدين، لأن المتكلمين يزعمون أن علومهم هي أساس الاسلام. و الصوفية يقولون: إن علومهم هي لباب الشريعة و حقيقتها!

ظهور المذاهب الفقهية و التعصب لها:
أما المذاهب الفقهية، فحدوثها ضروري ما دامت السنة لم تُجمع، و بعد جمعها لم تكن وافية بالتنصيص على الوقائع الجزئية. و متونها و أسانيدها بعد خاضعة للتزكية و التجريح، لأنها لم تنقل بطريق التواتر. و ما دامت مدارك المجتهدين الذين هم المرجع في هذا الباب متفاوتة بالقوة و الضعف في الاستنباط و وجوه القياس و علله، و مادامت الوقائع التي تناط بها الأحكام لا تنضبط.
و قد استحدث العمران أنواعا جديدة من المعاملات الدنيوية لا عهد للإسلام الفطري بها. و صورا شتى من المعايش و وجوه الكسب لم تكن معروفة. فمن سماحة التشريع الاسلامي و مرونته أن نتناول هذه المستحدثات الجديدة بأنظار جديدة، ة تستنبط من أصوله أحكام لفروعها. و كل هذا لا حرج فيه و ليس داخلا فيما نشكوه. بل نحن أول من يقدر قدر تلك الأنظار الصائبة، و المدارك الراقية، و يقيمها دليلا على اتساع التشريع الاسلامي لمصالح الناس، و صلاحيته لجميع الأزمنة، و ينكر على من سد هذا الباب على الأمة، فزهدها في استجماع وسائله. و نحن أول من يقدر قدر أولئك الأئمة الذين هم مفاخر الاسلام.
و هي في حدّ ذاتها ليست هي التي فرقت المسلمين، و ليس أصحابها هم الذين ألزموا الناس بها، أو فرضوا على الأمة تقليدهم، فحاشاهم من هذا بل نصحوا و بينوا، و بذلوا الجهد في الابلاغ. و حكّموا الدليل ما وجدوا الى ذلك السبيل، و أتوا بالغرائب في باب الاستنباط و التعليل، و التفريغ و التأصيل، و لهم في باب استخراج علل الأحكام، و بناء الفروع على الأصول، و جمع الأشباه بالأشباه، و الاحتياط و مراعاة المصالح ما فاقوا به المشرعين من جميع الأمم.
و انما الذي نعده في أسباب تفرق المسلمين هو هذه العصبية العمياء التي حدثت بعدهم للمذاهب، و التي نعتقد أنهم لو بُعثوا من جديد الى هذا العالم، لأنكروها على أتباعهم و مقلديهم، و تبرؤوا الى الله منهم و منها، لأنها ليست من الدين الذي اؤتمنوا عليه، و لا من العلم الذي وسعوا دائرته.
و قد طغت شرور العصبية للمذاهب الفقهية في جميع الأقطار الإسلامية،  و كان لها أسوأ الأثر في تفريق كلمة المسلمين. و ان في وجه التاريخ الاسلامي منها لندوبا.
أما آثارها في العلوم الإسلامية، فإنها لم تمدها إلا بنوع سخيف من الجدل المكابر، لا يسمن و لا يغني من جوع. و لا عاصم من شرور هذه العصبية إلا صرف الناشئة الى تعليم فقهي يستند على الاستقلال في الاستدلال، و اعدادها لبلوغ مراتب الكمال، وعدم التحجير عليها في استخدام مواهبها الى أقصى حدّ(8).

المذاهب الكلامية و خطرها:
و أما المذاهب الكلامية، فلم يكن أثرها بالقليل في تفرق المسلمين و تمزّق شملهم. و لكنها لما كان موضوعها البحث في وجود الله و اثبات صفاته، و ما يجب له من كمال، و ما يستحيل عليه من نقص، كل ذلك من طريق العقل-كانت دائرتها محدودة، و كان التعمق فيها من شأن الخواص. و قعد بالعامة عن الدخول في معتركها احساسها بالتقصير في أدواته، من جدل و عقليات يحتاج اليها في مقامات المناظرة و الحجاج. فليس علم الكلام كعلم التصوف: مطية ذلولا يندفع لركوبها العاجز و الحازم. فالتصوف شيء غامض يسعى اليه بوسائل غامضة. و يسهل على كل واحد ادعاؤه و التلبيس به. فان خاف مدعيه الفضيحة لم يعد سلاحا من الجمجمة و الرمز و تسمية الأشياء بغير أسمائها.ثم الفزع الى لزوم الصمت، و التدرع بالصمت، و الاعراض عن الخلق، و الانقطاع و الهروب منهم، مادام هذا كله معدودا في التصوف، و داخلا في حدوده. و لا كذلك علم الكلام الذي يفتقر الى عقل نير و قريحة و قادة و ذكاء نافذ و يحتاج منتحله الى براعة و لسن و مران على المنطق و مقدماته و نتائجه و أقيسته و أشكاله. و لم كل هذه العدد؟ كل هذه العدد للمناظرات و ما تستلزمه من ايراد و دفع و افحام و الزام. و أين العامة من هذا كله؟ لذلك لم يكن لها من حظ في هذا العلم إلا معرفة أسماء بعض الفرق و الانتصار لها انتصارا تقليديا، و لذلك كانت آثار التفريق الناشئة عن هذه المذاهب الكلامية قاصرة على طبقات مخصوصة و لم تتغلغل في العامة كما تغلغلت آثار التصوف.
و قد انقرضت تلك الفرق، و انقرض بانقراضها سبب جوهري من أسباب التفرق، بل مات بموتها شاغل طالما شغل طالما شغل طائفة من خيرة علماء المسلمين ببعضهم، و جعل بأسهم بينهم شديدا، و ألهامهم بما يضر عما ينفع.
تلاشت تلك الفرق، و لم تبق إلا أخبار معاركها الجدلية في كتب التاريخ و إلا آراؤها المدونة في كتبها فتنة للضعفاء، و تبصرة للحصفاء. و لم يبق من تلك الأسماء التي كونت قاموسا في الأنساب إلا اسمان يدوران في أفواه العامة و أشباه العامة، و يستعملونها في أغراض عامية، و هما (أهل السنة و المعتزلة)(9).

تخلف دراسة علم التوحيد:
و من المحزن أن دراسة علم التوحيد حتى في كلياتنا(الراقية) –كالأزهر و الزيتونة- لا تزال جارية على تلك الطرائق، و في تلك الكتب. و لا تزال تقرر فيها تلك الآراء، ثم يدحضها، و يقيمها ثم ينقضها. و تقطع أوقات الطلبة المساكين في ذلك. و يا ضيعة الأعمار.
أما الشبهات التي يوردها كل يوم ملاحدة العصر و مُبشروا المسيحية على الإسلام،  و يفتنون بها العلماء فضلا عن العوام، فان كلياتنا(العلمية الدينية) و مدرسيها لا يعيرونها أدنى اهتمام، و لا يعمرون بها وقت الطلبة. فيا للفضيحة.
و أما المذاهب الصوفية فهي أبعد أثرا في تشويه حقائق الدين و أشد منافاة لروحه، و أقوى تأثيرا في تفريق كلمة المسلمين لأنها ترجع في أصلها الى نزعة غامضة مبهمة تسترت في أول أمرها بالانقطاع للعبادة و التجرد من الأسباب و العزوف عن اللذات الجسدية، و التظاهر بالخصوصية، و كانت تأخذ منتحليها بشيء من مظاهر المسيحية، و هو التسليم المطلق، و شيء من مظاهر البرهمية، و هو تعذيب الجسد و إرهاقه،  توصلا الى كمال الروح، زعموا! و أين هذا كله من روح الاسلام و هدي الاسلام؟ و لم يتبين الناس خيرها من شرها لما كان يسودها من التكتم و الاحتراس حتى جرت على ألسنة بعض منتحليها كلمات كانت ترجمة لبعض ما تحمل من أوزار. فراب أئمة الدين أمرها. و انفتحت أعين حراس الشريعة، فوقفوا لها بالمرصاد، فلاذ منتحلوها بفروق مبتدعة يريدون ان يثبتوا بها خصوصيتهم كالظاهر و الباطن، و الحقيقة و الشريعة، الى ألفاظ أخرى من هذا القبيل لا تخرج في فحواها عن جعل الدين الواحد دينين.
و ما كاد السيف الذي سلّ على الحلاج و صرعى مخرقته يغمد، و يوقن القوم أنهم أصبحوا بمنجاة من فتكاته حتى أجمعوا أمرهم و أبدوا للناس بعض مكنونات أسرارهم ملفوفة في أغشية جميلة الألفاظ، و محفوفة بظواهر مقبولة من الأعمال. و حاولوا أن يصلوا نحلتهم تلك بعجرها و بجرها بصاحب الشريعة أو بأحد أصحابه فلم يفلحوا، و افتضحت حيلتهم و انقطع الحبل من أيديهم فرجعوا الى ادّعاء الكشف و خرق الحجب و الاطلاع على ما وراء الحسّ الى آخر تلك (القائمة) التي لازالت تسمعها حتى من أفواه العامة، و تجدها في معتقداتهم(10).

الهــوامــش:
1- انظر آثار البشير الابراهيمي /ج4/342-344، و هو جزء من مجموعة محاضرات ألقاها الشيخ البشير في معهد الدراسات العربية العليا في القاهرة في أوائل الخمسينات من القرن العشرين تحت عنوان: الاستعمار الفرنسي في الجزائر.
2- آثار البشير الابراهيمي /ج3/337.
3- آثار البشير الابراهيمي /ج 3/337.
4- نشرت في العدد 150 من جريدة البصائر سنة 1951.
5- البصائر العدد 183/السنة الخامسة من السلسلة الثانية/18 فبراير 1952م.
6- نشرت في العدد 148 من جريدة البصائر سنة 1951.
7- جريدة البصائر، ع183، في 18 فبراير 1952.
8- آثار البشير الابراهيمي 1/95-96.
9- انظر: آثار البشير الابراهيمي (1/96-97).
10- انظر: آثار البشير الابراهيمي (1/97،99).

الملتقى الدولي للإمام محمد البشير الإبراهيمي بمناسبة الذكرى الأربعين لوفاته
الجزائر 22-23 ماي 2005

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *