الرئيسية / محاضرات / مقومات الفكر الإصلاحي عند الإمام محمد البشير الإبراهيمي 4/1

مقومات الفكر الإصلاحي عند الإمام محمد البشير الإبراهيمي 4/1

أ.د. يوسف القرضاوي

استهلال
( اللهم باسمك نبتدي، و بهديك نهتدي، و بك يا معين نسترشد و نستعين، و نسألك أن تكحل بنور الحق بصائرنا، و أن تجعل إلى رضاك مصايرنا، نحمدك على أن سددت في خدمة دينك خطواتنا، و ثبت على صراط الحق أقدامنا.
و نصلي و نسلم على نبيك الذي دعا اليك على بصيرة، و تولاك فكنت و ليه و نصيره، و على آله المتبعين لسنّته، و أصحابه المبينين لشريعته.
اللهم يا ناصر المستضعفين انصرنا، و خذ بنواصينا إلى الحق، و اجعل لنا في كل غاشية من الفتنة: ردءاً من السكينة، و في كل داهمة من البلاء: درعا من الصبر، و في كل داجية من الشك: علما من اليقين، و في كل نازلة من الفزع: واقية من الثبات، و في كل ناجمة من الضلال: نورا من الهداية، و مع كل طائف من الهوى: رادعا من العقل، و في كل عارض من الشبهة: لائحا من البرهان، و في كل ملمة من العجز: باعثا من النشاط، و في كل مجهلة من الباطل: معالم من الحق و اليقين، ومع كل فرعون من الطغاة المستبدين: موسى من الحماة المقاومين)1
أما بعد:
فهذه صحائف كتبتها للملتقى الفكري الذي دعت إليه جمعية العلماء المسلمين في الجزائر، لإحياء ذكرى الإمام : محمد البشير الإبراهيمي، علامة الجزائر، و لسانها الناطق بالحق ، و سيفها القاطع لعنق الباطل، و قلبها النابض بحرارة الإيمان، و نجمها الثاقب الذي يهدي الحائرين، و ينقض رجما للشياطين.
و ذلك بمناسبة مرور أربعين سنة على وفاته رحمه الله، و تقبله في الصالحين، و الأئمة و العاملين و الصادقين.
و شكر الله لجمعية العلماء ما صنعت، فهذا ما يوجبه الوفاء و العرفان بالجميل، و بر الأبناء للآباء ، و تقدير الأخلاف للأسلاف، و بناء الاحق على ما أسسه السابق ، و بهذا تتواصل الأجيال، و يكمل بعضها بعضا، فالأمة في أجيالها المختلفة: سلسلة متكاملة الحلقات، يتصل بعضها ببعض، و يستفيد بعضها من بعض، و يستفيد بعضها من بعض ، و يدعو المتأخر المتقدّم، على نحو ما علمنا القرآن بعد أن حدثنا عن المهاجرين و الأنصار، ثم قال : { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } ( الحشر :10 ).

و لقد لقيت العلامة الإبراهيميمرتين في القاهرة، و استمعت إليه و أعجبت به. إحداهما: في قاعة الشيخ محمد عبده، حينما دعوناه ليتحدث في الحفل الكبير الذي أقيم  لتوديع كتيبة شباب الأزهر المسافرة إلى قناة السويس لقتال الإنجليز.
و الثانية نسيت مناسبتها.
و قد كان الشيخ إذا تحدث يتدفق كأنه البحر الثجاج، و يتألق كأنه السراج الوهاج، و أشهد أنه شدّ الحاضرين جميعا ببيانه الناصع، و خطابه الرائع، و سعة اطلاعه على الأدب و التاريخ، و استشهاده بحكم البلغاء، و روائع الشعراء، و وقائع المؤرّخين.
و لقد جاءتني دعوة جمعية العلماء، و رئيسها صديقنا العزيز الشيخ عبد الرحمن شيبان، الذي عرفناه في ملتقيات الفكر الإسلامي في الثمانينات من القرن العشرين: أخا كريما ، و صديقا حميما، قبل أن نعرفه وزيرا للشؤون الدينية، و رئيسا للملتقيات الإسلامية….جاءتني الدعوة و أنا في شغل شاغل، و زحمة في المطالب و الواجبات، و ضيق في الأوقات، و هذه مشكلة أمثالي، و لا يعين على حلها إلا الله تعإلى، فمنه نستمد، و عليه نعتمد، و به نعتصم « و من يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم».
و لم يسعني إلا أن ألبي الدعوة من أجل الجزائر، و من أجل صاحب الذكرى، و من أجل صاحب الدعوة، فلكل واحد من هؤلاء الثلاثة حق علي لا أملك أن أتخلى عنه. فلا غرو أن كتبت هذه الصحائف على عجل، وفاء بحق هذا الرائد العظيم، و هذا المصلح الكريم، و إن لم نوفه حقه، و لم نشف الغليل ممّا كنت أريد، و لكن القليل خير من العدم « فان لم يصبها وابل فطل».
رحم الله الشيخ الإبراهيمي، و رحم الله ابن باديس، ورحم الله علماء الجزائر، و شهداء الجزائر، و بارك الله في شعب الجزائر، و حفظه من كل سوء.
و حفظ عليه وحدته و أخوته،  و جعل يومه خيرا من أمسه، و غده خيرا من يومه.آمين.

الفقير إلى الله
يوسف القرضاوي

مقومات الفكر الإصلاحي
عند الإمام محمد البشير الإبراهيمي

الإمام محمد البشير الإبراهيمي: أحد أئمة الإصلاح و التجديد في العصر الحديث، و من عايشه و استمع إليه خطيبا و محاضرا أو مدرسا و محدثا، أو قرأ مقالاته و بحوثه كاتبا مبدعا، و باحثا متعمقا، سواء قرأ ذلك في حياته أم بعد مماته : أدرك تمام الإدراك أننا أمام رجل مصلح يعرف ماذا يريد من إصلاح لوطنه و شعبه و أمته؟ و كيف الطريق إلى تحقيق ما يريد؟ و يملك من الأدوات و المؤهلات (العقلية و العلمية و النفسية و الخلقية و البيانية) : ما يمكنه من تحقيق هدفه الذي يصبو إليه.
و لا يستطيع دارس أن يعرف حقيقة الدور الذي قام به الإبراهيمي- العالم المربي المصلح الثائر المجاهد- إلا اذا عرف دور ( جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) و ما قامت به من إحياء لما مات، و من تجديد لما رثّ، و من تجميع لما افترق، و من بناء لما تهدم، و من تطهير لما تلوث. و قد كان البشير الإبراهيمي شريكا مع مؤسس الجمعية، و باني النهضة الجزائرية الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس، فقد كان نائبه في حياته، و خليفته بعد وفاته.
و حديث الإبراهيمي عن ابن باديس: حديث الأخ المعجب بأخيه، و المرؤوس المزهوّ برئيسه، و الصديق الوفي لصديقه، الذي جعله شيخا له و اماما في العلم و العمل و الخلق و الدعوة و التربية و الجهاد.
و من تأمّل في سيرة الإمامالإبراهيمي، و في تراثه الأدبي و الفكري: تبين له بوضوح و  جلاء خطه الإصلاحي، و منهجه التجديدي.
و نستطيع أن نجمل مقومات الفكر الإصلاحي و التجديدي عند البشير الإبراهيمي في هذه النقاط:
1- الإسلام و العروبة: أساسا و منطلقا.
2- الوحدة و الحرية (أو التوحيد و التحرير): محورا و هدفا.
4- العمل الجماعي: ضرورة و شرطا.
5- الأمة العربية و الإسلامية:  ساحة وميدانا.

1- الإسلام و العروبة : أساس و منطلقا
كان الإسلام هو المرجعية الأولى، بل المرجعية الوحيدة للإبراهيمي، و جماعته و هو أمر طبيعي لا غرابة فيه و لا دهشة منه، بل الغريب أن تكون له مرجعية أخري غير الإسلام.
فالرجل عالم مسلم، حفظ القرآن منذ صباه، و قرأ الحديث، و درس التوحيد و الفقه و الأصول، و سائر علوم الإسلام، و نبغ فيها، و أمسى معلما لها ، و داعيا إليها، فلا يتصور منه أن يتخذ مرجعا غير الإسلام.
و لكن ما مفهوم الإسلام الذي يؤمن به الشيخ و يدعو إليه، و يذود عنه شبهات المرتابين و أكاذيب المفترين ؟
إنه ليس الإسلام الذي شابته شوائب الأزمنة و الأمكنة، و الأعراف المتباينة، فكدرت صفاءه، و غبشت ضياءه. إنه ليس للإسلام مذهب من المذاهب، و لا طائفة من الطوائف، و لا قطر من الأقطار، و لا عصر من الإعصار. إنه الإسلام (الإسلام الأول) إسلام القرآن الكريم، و السنة الصحيحة. إسلام الرسول الكريم و صحابته الميامين، و تلاميذهم الأخيار التابعين.
إنه إسلام القوة لا الضعف، و إسلام التجديد لا الجمود، و إسلام الحرية لا القيود، و إسلام القوة و الكرامة، لا الذلة و المهانة ! و لقد حرص الإبراهيمي على أن يبين باستمرار رسوخ الإسلام في الجزائر رسوخ الجبال الشم، و أنه أصل أصول حياتها، و أنه منها بمثابة الروح و الجسد . إذا انفصل أحدهما عن الآخر فمعناه الموت.
يقول في مقالة له: ( إن الإسلام في الجزائر ثابت ثبوت الرواسي، متين القواعد و الأواسي، قد جلا الإصلاح حقائقه فكان له منه كفيل مؤتمن، و استنارت بصائر المصلحين بنوره فكان له منهم حارس يقظ، و عاد كتابه (القرآن إلى منزلته في الإمامة فكان له منه الحمى الذي لا يطرق، و السياج الذي لا يخرق)2

الإسلام الذي يدعو إليه الإبراهيمي:
و طالما شرح الإمامالإبراهيمي هذا الإسلام العظيم بقلمه الفياض، و عباراته المشرقة، فجلى أسراره، و جسد آثاره، و كشف اللثام عن عقيدته الحنيفية، و عن شريعته السمحة، و عن قيمه الملائمة للفطرة، المهذبة للغريزة، التي تسمو بالإنسان حتى يتميز عن الحيوان.
اقرأ له هذه القطعة، التي يتحدث فيها عن الإسلام دين التحرر، فيقول3: ( إن الإسلام هو “دين التحرير العام”، فنرسل هذا الوصف إرسالا بدون تحفظ و لا استثناء، لأنه الحق الذي قامت شواهده، و تواترت بيّناته، و من شواهده و شهوده : تلك الأجيال التي  صحبت محمّدا و آمنت به، و اتّبعت النور الذي أنزل معه ثم الذين صحبوهم، ثم الذين اتّبعوهم بإحسان.
و نحمد الله على أن العلاقة بين الألفاظ و معانيها لم تنقطع عند جميع العقلاء من أجناس البشر، و العقلاء هم حجة الله على من سواهم، و مازال الخير يسمى خيرا، و الشر يسمى شرا، و الفضيلة فضيلة، و الرذيلة رذيلة، فالسارق يسرق و هو يعتقد أنه متعدّ على مال الغير، و المتبع لخطوات الشيطان لا يقول: رضي الله عن إبليس و إنما يقول: لعنه الله، و أن هذه لمن أسرار فطرة الله التي فطر خلقه عليها، يواقعون الشر و لا يسمونه خيرا، فيسجلون بذلك الشهادة على أنفسهم، إلا المطبوع على قلوبهم، الفاقدين للشعور، كالذين إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض. قالوا: إنما نحن مصلحون، و كصرعى التقليد للحضارة الغربية الذين استرقتهم الشهوات فاستباحوا المحرمات باسم الحرية. و كالمسيرين للدول الغربية، أسكرتهم القوة فبغوا على الضعفاء و سلبوا أوطانهم، و سموا بغيهم استعمارا.
إن من الظلم و الحيف و الغش و الفساد في الأرض تسمية الأشياء بغير أسمائها، لأنه قطع للأسباب عن مسبباتها و قد قيل في قوله تعإلى: {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}(البقرة 27) ، أن منه من قطع الدوال عن مدلولاتها، و أن أعظم  شرور هذه الحضارة الغربية أنها فتحت الباب لهذا النوع من المسخ و شجعت عليه، فأفسدت الفطرة  و الضمير الذي سماه محمد صلى الله عليه و سلم، ( وازع الله في نفس المؤمن). و التحرير الذي جاء به الإسلام شامل لكل ما تقوم به الحياة و تصلح عليه كل المعاني و الأشخاص، و الدين الإسلامي لا يفهم التحرير بالمعنى الضيق، و إنما يفهمه على أنه كل إطلاق من تقييد، أو تعديل لوضع منحرف، أو إنصاف لضعيف من قوي، أو نقل شيء من غير نصابه إلى نصابه، قالت أسماء بنت أبي بكر حينما بعث لها أبوها بجارية تقوم لها بعلف الفرس: فكأنما أعتقتني.

الإسلام دين التحرير العام:
حرر الإسلام العقل و جميع القوى التابعة له في النفس البشرية، و العقل هو القوة المميزة للمتضادات و المتنافرات التي بني عليها هذا العالم، كالصلاح و الفساد، و الخير و الشر، و النفع و الضر، و لذلك جعل مناطا للتكاليف الدينية و الدنيوية، و قد يطرأ عليه ما يطرأ على الموازين المادية من الاختلال فيتعطل أو ينعكس إدراكه،  و الإسلام يعلو بتقدير العقل و الفكر إلى أعلى درجة، و يقرّر أن إدراك الحقائق العليا في الدين أو الكون انما هو حظ العقول الراجحة و الأفكار المسدّدة، و أن العقول المريضة و الأفكار العقيمة تنزل بصاحبها إلى الحيوانية بل إلى أحط من الحيوانية، ففي القرآن العظيم {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَاأُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (الأعراف 179).
و لهذه المنزلة التي وضع الإسلام العقل فيها حماه من المؤثرات و الأمراض و العوائق، و أحط دركة يرتكس فيها العقل هي الوثنية، فهي أكبر معطل له عن أداء وظيفته حين لا يسمو إلى الجولان في العوالم الروحية و حين تفتنه الماديات بظواهرها من طريق الجوارح الحسية.
أعلن الإسلام من أول يوم حربا شعواء على الوثنية بجميع أنواعها، و هي أشد ما كانت سلطانا على النفوس، و تغلغلا فيها، و إفسادا لفطرة الخير و إطفاء لنورها، حتى اجتثها و محا آثارها من النفوس و الآفاق، و عمر مكانها بالتوحيد، أتدرون السر في تلك الحملات على الوثنية ؟ هو تحرير العقل من نفوذها و سلطانها حتى يواجه أمانة الدين الجديد صحيحا معافى، و يؤدي الوظيفة التي خلق لأدائها، و ما هدم أصحاب محمد الأصنام بأيديهم إلا بعد أن هدم محمد الوثنية في نفوسهم، و بعد أن بنى عقولهم من جديد على صخرة التوحيد، و لولا ذلك لما أقدم خالد على هدم طاغية ثقيف.
و حرر الخلطاء بعضهم من بعض بما شرعه الله من أحكام عادلة تقوم بالقسط، و ترفع الحيف و الظلم، و وقف بكل واحد عند حدّه، و حفظ له حقوقه.
فحدّ الحدود بين المرأة و الرجل، و بين المحكوم و الحاكم، و بين الفقير و الغني، و بين العبيد و السادة، و بين العمال و أصحاب المال، و هذه الأنواع من التحرير تناولتها النصوص القطعية من القرآن و الأحاديث، و اكتنفتها في طلب النصوص مؤثرات من الترغيب و الترهيب تزيدها قوة و رسوخا في النفس، فأما تحرير المحكومين من الحاكمين فلا مطمع أن يأتي فيه على وجه الدهر ما جاء به الإسلام من شرائع العدل و الإحسان و الشورى و الرفق و الرحمة و عدم المحاباة حتى في النظرة و الكلمة و المجلس.
و أول ما يسترعي النظر من ذلك سيرة محمد صلى الله عليه و سلم و أقضيته في حياته و ما أدبه به ربه من مثل قوله :{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْبِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ  وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ}( المائدة 49)،
(قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} (الأنعام 66)،  {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ}(ق 45)، ثم سيرة الخلفاء الراشدين في الحكم فإنها كانت مثالا من أحكام النبوة التي هي وحي يوحى، و أن الأمثلة التي ضربها عمر في إقامة العدل و قوة الاضطلاع، لأمثلة خالدة على الدهر، فاق بها من قبله، و أعجز من بعده، و ما أروع قوله: « من رأى منكم اعوجاجا في فليقوّمه »، و أروع منه قول مجيب من أفراد الرّعية : « لو رأينا فيك اعوجاج لقوّمناه بسيوفنا»، و أبلغ منهما في الروعة أن يحمد عمر ربه على أن يكون في أمة محمّد من يقوم عمر بسيفه.
و التشريع الإسلامي متصل الحلقات من العقائد و العبادات إلى الآداب و المعاملات، و كلّه يرمي إلى غاية واحدة، و هي إنشاء أمة متّحدة المبادئ و الغايات، متناسقة ما بينها، لتحمل الأمانة كاملة صحيحة إلى الأجيال اللاحقة، و قد تمّ الإسلام ما أراد عدّة قرون، و مازلنا- بحمد الله- نحمل بقايا من ذلك، و لولاها لكنا في الغابرين.
و حرر الإسلام الفقير من الغني، فجعل للفقراء حقا معلوما في أموال الأغنياء، و وجه التحرير هنا أن  الفقير كان يسأل الغني فيعطيه أو يحرمه تبعا لخلقه من تسهل أو كزازة، فإذا أعطاه شيئا أخذه على أنه مكرمة ممنونة، تجرح نفسه، و إن أشبعت بطنه، و لكن الإسلامألزم الغني بالرضا و التسليم، و الاطمئنان إلىأخلافه و مضاعفته، و ترفع عن الفقير غضاضة الاستجداء و مهانة السؤال، و تطهّر نفسه مع ذلك من رذيلة الحقد على الغني، و هذا الحقد هو أساس الشيوعية.
ومن عجائب الإسلام في إدخال التربية النفسية في الأحكام، أنه لا يأمر بشيء و لا ينهى عن شيء من العمليات إلا بعد أن يمهّد للنفس و يعمرها بخوف الله وحده، و يقنعها بالآثار التي تترتب على المأمور به أو المنهي عنه، فإذا جاء دور العمل كانت النفس مطمئنة بالعلم و راضية بالعمل مهما شق، و لهذا كانت عقائد الإسلام و عباداته و أحكامه و آدابه كلها مترابطة، و كلها متعاونة على تهذيب المسلم، و لهذا السر أيضا صلح شأن المسلمين الأولين، لأنهم أقاموا الدين كله، عينيا في العينيات، و كفائيا في الكفائيات، و كانوا لا يتهاونون في الصغيرة، احتياطا للكبيرة، و من أوامر القرآن : {أَن أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}(الشورى 13).
و حرّر الإسلام المرأة من ظلم الرجال و تحكمهم  فقد كانت المرأة في العالم كله في منزلة بين الحيوانية و الإنسانية،  بل هي إلى الحيوانية أقرب، تتحكم فيها أهواء الرجال و تتصرف فيها الاعتبارات العادية المجردة من العقل، فهي حينا متاع يتخطف، و هي تارة كرة تتلقف، تعتبر أداة للنسل أو مطية للشهوات، و ربما كانت حالتها عند العرب أحسن، و منزلتها أرفع، يرون فيها عاملا من عوامل ترقيق العواطف و ارهاف النفس، و دواء لكثافة الطبع و بلادة الحس، و يجدون فيها معاني جليلة من السمو الإنساني،   و أشعارهم – على كثرتها- عامرة بالاعتراف بسلطان المرأة على قلوبهم، و بشرح المعاني العالية التي يجدونها فيها، و لا عبرة بما شاع عنهم من وأد البنات، فانه لم يكن عاما فاشيا فيهم، و تعليله عند فاعليه يشعر أنه نتيجة حب طغى حتى انحرف، و أثر عقل أسرف في تقدير، و أثر عقل أسرف في تقدير في تقدير العواقب، لا نتيجة كراهية لنوع الأنثى، و على كل حال فالوأد خطأ كبير، و جريمة شنيعة، و شذوذ في أحكام الرجال خارج عن نطاق الإنسانية ، و حسبه تسفيها قوله تعالى : {أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ}.
و حرر الإسلام الحيوان الأعجم من الإنسان،  و حرم عليه أن يحمله ما لا يطيق من الأحمال و الأعمال، و أن يجيعه أو يعطشه، فإذا فعل فيه شيئا من ذلك بيع عليه جبرا بحكم الحاكم، و أوصى في الرفق بالحيوان وصايا زاجرة، و في حديث نبوي أن امرأة دخلت النار بسبب هرة أمسكتها فلم تطعمها و لم تدعها تأكل من خشاش الأرض، و أن امرأة عاصية لله دخلت الجنة بسبب كلب وجدته يلهث عطشا على حفّ بئر فأدلت خفّها و سقته، و ما من شيء تفعله جمعيات الرفق بالحيوان في هذا العصر إلا و قد سبق الإسلامإلى أكمل منه).

ربط الإسلام بالعروبة :
و الإسلام الذي يدعو إليهالإبراهيمي:  مختلط بالعروبة اختلاط اللحم بالدم و كأنّما عنده مركب كيماوي امتزج فيه العنصران كما امتزج الأوكسجين و الهيدروجين فكوّنا (الماء) الذي جعل الله به كل شيء حي.
و العروبة التي يدعو إليها ليست عرقية و لا عنصرية، بل هي عروبة لغة و ثقافة، و جوهرها اللسان العربي و هو الذي نزل به القرآن الكريم :{ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ  عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}( الشعراء 193-195).
و هو الذي تكلم به الرسول عليه الصلاة و السلام و رويت به أحاديثه، و دوّنت به سنته، التي هي المصدر الثاني للإسلام بعد القرآن.
و العربية هي لغة الأذان و الإقامة،  و القراءة في الصلاة، و التلبية في الحج و غيرها.
و قد أوجب الإمام الشافعي على كل مسلم  أن يتعلم من العربية ما يؤدي به صلاته و عبادته.
كما أن القرآن عربي، و محمد رسول الإسلام عربي، و أصحابه و الذين آمنوا به و عزروه و نصروه و اتّبعوا النور الذي أنزله معه : عرب، حتى من لم يكن منهم عربي الأرومة و العرق، فقد تعرب باللسان حين تكلم العربية، و قد روي حديث عن النبي صلى الله عليه و سلم يقول: « إنما العروبة اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي».
و أرض العرب هي أرض الإسلام و مهده و منبته، فيها نشأت الدعوة، و إليها كانت الهجرة، و بها كانت الوفاة، و هي التي ضمت رفاته عليه السلام، و المساجد الكبرى المقدسة في الإسلام و التي لا تشد الرحال إلا إليها في أرض العرب: المسجد الحرام، و المسجد النبوي، و المسجد الأقصى.
و يعتبر الشيخ الإبراهيمي أهم مكونات (الذات الجزائرية) إنما هي (الإسلام و العروبة) الإسلام الذي لا يرفض العروبة، مثل إسلام الغلاة، الذين زعموا أن الإسلام يرفض كل القوميات، لا فرق بين قومية عربية ، و قومية هندية أو طورانية أو فرعونية أو غيرها. و نسوا خصوصية العروبة و ما لها من صلة حميمة بالإسلام، أشرنا إليها.
و العروبة التي لا تنفصل عن الإسلام و لا تعتبر نفسها ندا له أو خصما مثل عروبة (القوميين) المتعصبين الذين ينصبون حربا بين العروبة و الإسلام و الذين اعتبر بعضهم القومية العربية (دينا جديدا) أو (نبوة) جديدة و الذين قال شاعرهم:
بلادك قدمــها على كل ملـة     و من أجلهاافطر،و من أجلها صــم
سلام علـى كفر يوحد بيننـا     و أهـلا و سـهلا بعــده بجــهنــم
و طالما أبدأ الشيخ و أعاد، و أفاض و أجاد، حول هذه القضية، ليقنع بها العقول، و يحرّك بها العواطف، و يحفّز بها العزائم.

حماية الإسلام من المتأكلين باسمه:
و كان من حرص الشيخ على حماية الإسلام من الدجالين، يصب جام غضبه على أولئك الذين يلبسون لبوس العلماء، ثم هم يعملون لخدمة الاستعمار تحت عنوان الوظائف الدينية : كالإمامة  و الخطابة و التدريس و الفتوى، و هذه هي الكارثة : أن يتحدث باسم الإسلام رؤوس جهال، يُسألون فيفتون بغير علم، فيضلون و يُضلون أو أسوأ من ذلك: أن يفتوا بما يرضي سادة الاستعمار، و إن أسخط الواحد القهار، و انما ينتصر الإسلام بالعلماء لا بالعملاء، و بالدعاة لا بالأدعياء.
يقول الشيخ : إن المسجد لا يؤدي وظيفته، و لا يكون مدرسة للقرآن، إلا اذا شاده أهل القرآن، و ذادوا عنه كل عادية. و ما جعل القرآن المساجد لله، إلا لتكون منبعا لهدايته، و ما وصف الذين يعمرون مساجد الله بأنهم لا يخشون إلا الله4، إلا ليقيم الحجة على ضعفاء الايمان و يعزلهم عن هذه المرتبة.
و صدق الله و صدق رسوله الذي وصف القرآن بأنه ( لا تنقضي عجائبه) ! فو الله لكأن هذه الجملة « لم يخش إلا الله» من هذه الآية بهذا الأسلوب المقيّد للحصر بأبلغ صيغة نزلت اليوم، وهّاجة بأنوار الرسالة، مطلولة بأنداء الوحي، لتكون حجّتنا القاطعة على هذا النمط من عمار المساجد الذين يخشون المخلوق و لا يخشون الله5.
لقد وقفت جمعية العلماء لتذود عن الإسلام في شتى الميادين، كما يذود الأسد عن عرينه، وكما يدافع  الحر عن عرضه، وكما يدافع الوالد عن ولده دافعت عنه في ثلاثة ميادين في وقت واحد:
أ- في الميدان الخارجي بما ردت به من شبه الطاعنين، و كفكفت من غلواء المبشرين، و بما أقامت من حصون في وجوه الملحدين.
ب- و في الميدان الخاص بالحكومة الجزائرية، و خصوصا في قضية (فصل الدين عن الحكومة) التي تناولها الشيخ في مقالات عدة تحمل النور و النار، و تناولتها بالشرح و التحليل، و بالبيان و التدليل، و لم يهن لها عزيمة، و لا خارت لها في المطالبة قوة، لم يخدعها و عد و لا ردها و عيد.
ت- و في الميدان الداخلي بينها و بين قومها و أبناء ملتها، حتى تعلم الجاهل و اهتدى الضال، و فاء إلى الرشد الغوي.

عمل جمعية العلماء لخدمة الإسلام:
و يخاطب الشيخ الاستعمار الفرنسي بلغة قوية لا دهن فيها، صريحة لا جمجمة فيها، موضحا ماذا تريده جمعية العلماء و ما تعمل من أجل الإسلام و العروبة فيقول: ( يا حضرة الاستعمار) إن جمعية العلماء تعمل للإسلام بإصلاح عقائده، و تفهيم حقائقه، و إحياء آدابه و تاريخه، و تطالبك بتسليم مساجده و أوقافه إلى أهلها.
و تطالبك باستقلال قضائه، و تسمي عدوانك على الإسلام و لسانه و معابده و قضائه : عدوانا بصريح اللفظ.
و تطالبك بحرية التعليم العربي، و تدافع عن (الذاتية الجزائرية) التي هي عبارة عن (العروبة و الإسلام) مجتمعين في وطن.
و تعمل لإحياء اللغة العربية و آدابها و تاريخها، و في موطن عربي، و بين قوم من العرب.
و تعمل لتوحيد كلمة المسلمين في الدين و الدنيا. و تعمل لتمكين أخوة الإسلام العامة بين المسلمين كلهم.
و تذكر المسلمين الذين يبلغهم صوتها بحقائق دينهم، و سير أعلامهم، و أمجاد تاريخهم.
و تعمل لتقوية رابطة العروبة بين العربي و العربي، لأن ذلك طريق إلى خدمة اللغة و الأدب.
فإذا كانت هذه الأعمال تعدّ- في فهمك و نظرك- (سياسة)، فنحن سياسيون في العلانية لا في السر، و بالصراحة لا بالجمجمة.
إننا نعد كل هذا (دينا) على الحقيقة لا على التوسع و التخيل، و نعدّه من واجبات الإسلام التي لا نخرج من عهدتها إلا بأدائها على وجهها الصحيح الكامل.
و لتعلم أننا نفهم الإسلام على حقيقته، و أننا لا نستنزل عن ذلك الفهم برقية راق، و لا بتهديد مهدد، و لتعلم سلفا، و لتسلم منطقيا وواقعيا: أننا حين تختلف الأنظار بينك و بين الإسلام، فنحن مع الإسلام،  لأننا مسلمون، و لتعلم أن تلك الأعمال تزيدنا مع جلال العلم جلال العمل.
لتعلم ما دام الإسلام عقيدة و شعائر، و قرآنا و حديثا، و قبلة واحدة، فالمسلمون كلهم أمة واحدة و مادامت اللغة العربية لسانا و بيانا و ترجمانا فالعرب كلهم أمة واحدة، كل ذلك كما أراد القدر المقدور، و الطبيعة المطبوعة، و الأعراق المتواصلة، و الأٍحكام المتشابكة، ( فلا اسلام جزائري) 6كما تريد و لا عنصرية بربرية كما تشاء.
و لتعلم – آخر ما تعلم- أن زمنا كنت تسلط فيه المسلم على المسلم ليقتله في سبيلك قد انقضى و أنه لن يعود…
و لكن ما قولك – أيها الاستعمار- في تدخلك في ديننا، و لابتلاعك لأوقافنا، و احتكارك للتصرف في وظائف ديننا، و تحكمك في شعائرنا، و تسلطك على قضائنا، و امتهانك للغتنا ؟
و ما قولك في كل ذلك، أهو من الدين أم من السياسة؟
و كيف تبيح لنفسك التدخل فيما لا يعنيك من شؤون ديننا، ثم تحرم الدخول فيما يعنينا من شؤون دنيانا؟
و هبنا و إياك فريقين، فريق أخضع الدين للسياسة ظالما، و فريق أدخل الدين في السياسة متظلما فهل يستويان؟ إننا إذا حاكمناك إلى الحق غلبناك، و إذا حاكمتنا إلى القوة غلبتنا، و لكننا قوم ندين بأن العاقبة للحق لا للقوة7 .انتهى.

الهوامش:
ــــــــ
1- مقتبس من افتتاحية الإبراهيمي: نشرت في العدد 1 من جريدة البصائر سنة 1947.
2 – “البصائر” العدد 13 السنة الأولى من السلسلة الثانية 1947م.
3- من بجث ضاف تحت عنوان: الرق في الإسلام : انظر: آثار محمد البشير الإبراهيمي (4/356-360).
4- يشير الى قوله تعالى: ” انما يعمر مساجد الله من آمن بالله و اليوم الآخر و أقام الصلاة و آتى الزكاة و لم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين” التوبة : 18.
5- من مقالة نشرت في البصائر العدد 153 سنة 1951 م تحت عنوان: كلمتنا عن الأئمة.
6- (الاسلام الجزائري) هو غاية كان يعمل لها الاستعمار بجميع الوسائل ليفصل – على مر الزمن- بين مسلمي الجزائر و بين بقية المسلمين، و لكن الله خيبه
7- نشرت في العدد (3) من البصائر سنة 1947

الملتقى الدولي للإمام محمد البشير الإبراهيمي بمناسبة الذكرى الأربعين لوفاته
الجزائر 22-23 ماي 2005

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *