الرئيسية / مقالات الإبراهيمي / نداء إلى الشعب الجزائري المجاهد … 1 نعيذكم بالله أن تتراجعوا

نداء إلى الشعب الجزائري المجاهد … 1 نعيذكم بالله أن تتراجعوا

بسم الله الرحمن الرحيم
أيها المسلمون الجزائريون :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
حياكم الله وأحياكم ، وأحيا بكم الجزائر ، وجعل منكم نوراً يمشي من بين يديها ومن خلفها ، هذا هو الصوت الذي يسمع الآذان الصمّ ، وهذا هو الدواء الذي يفتح الأعين المغمضة ، وهذه هي اللغة التي تنفذ معانيها إلى الأذهان البليدة ، وهذا هو المنطلق الذي يقوم القلوب الغلف ، وهذا هو الشعاع الذي يخترق الحجب والأوهام .
كان العالم يسمع ببلايا الاستعمار الفرنسي لدياركم ، فيعجب كيف لم تثوروا ، وكان يسمع أنينكم وتوجعكم منه ، فيعجب كيف تؤثرون هذا الموت البطيء ، على الموت العاجل المريح ، وكانت فرنسا تسوق شبابكم إلى المجازر البشرية ، في الحروب الاستعمارية ، فتموت عشرات الآلاف منكم في غير شرف ولا محمدة ، بل في سبيل فرنسا ، وتوسيع ممالكها ، وحماية ديارها ، ولو أنّ تلك العشرات من الآلاف من أبنائنا ماتوا في سبيل الجزائر ، لماتوا شهداء ، وكنتم بهم سعداء .

أيها الإخوة الجزائريون :
اذكروا غدر الاستعمار ومماطلته .
احتلّت فرنسا وطنكم منذ قرن وربع قرن ، وشهد لكم التاريخ ، بأنكم قاومتموها مقاومة الأبطال ، وثرتم عليها مجتمعين ومتفرقين ، نصف هذه المدّة .
فما رعت في حربها لكم ديناً ولا عهداً ، ولا قانوناً ولا إنسانيةً ، بل ارتكبت كل أساليب الوحشية ، من تقتيل النساء والأطفال والمرضى ، وتحريق القبائل كاملة ، بديارها وحيواناتها وأقواتها .
ثم حاربتم معها وفي صفّها ، وفي سبيل بقائها نصف هذه المدة ، ففتحت بأبنائكم الأوطان وقهرت بهم أعداءها ، ورحمت بهم وطنها الأصلي ، فما رعت لكم جميلاً ، ولا كافأتكم بجميل ، بل كانت تنتصر بكم ، ثم تخذلكم ، وتحيا بأبنائكم ، ثم تقتلكم ، كما وقع لكم معها في شهر مايو سنة1945 ، وما كانت قيمة أبنائكم ، الذين ماتوا في سبيلها ، وجلبوا لها النصر ، إلا أنها نقشت أسماء بعضهم في الأنصاب التذكارية ، فهل هذا هو الجزاء ؟
طالبتموها بلسان الحق ، والعدل والقانون والإنسانية ، من أربعين سنة ، بأن ترفق بكم ، وتنفس عنكم الخناق قليلاً ، فما استجابت ، ثم طالبتموها بأن تردّ عليكم بعض حقوقكم الآدمية ، فما رضيت ، ثم طالبتموها بحقكم الطبيعي يقرّكم عليه كل إنسان وهو إرجاع أوقافكم ومعابدكم وجميع متعلقات دينكم ، فأغلقت آذانها في إصرار وعتو ، ثم ساومتموها على حقوقكم السياسية بدماء أبنائكم الغالية التي سالت في سبيل نصرها ، فعميت عيونها عن هذا الحق ، الذي يقرره حتى دستورها ، ثم هي في هذه المراحل كلها ، سائرة في معاملتكم من فظيع إلى أفظع .

أيها الأخوة الجزائريون الأبطال :
لم تبق لكم فرنسا شيئاً تخافون عليه ، أو تدارونها لأجله ، ولم تبق لكم خيطاً من الأمل تتعللون به ، أتخافون على أعراضكم وقد انتهكتها ؟ أم تخافون على الحرمة وقد استباحتها ، لقد تركتكم فقراء تلتمسون قوت اليوم فلا تجدونه ؟ أم تخافون على الأرض وخيراتها وقد أصبحتم فيها غرباء حفاة عراة جياعاً ، أسعدكم من يعمل فيها رقيقاً زراعياً يباع معها ويشتري ، وحظكم من خيرات بلادكم ، النظر بالعين والحسرة في النفس ؟ أم تخافون على القصور ، وتسعة أعشاركم يأوون إلى الغيران كالحشرات والزواحف ؟ أم تخافون على الدين ؟ ويا ويلكم من الدين الذي لم تجاهدوا في سبيله ، ويا ويل فرنسا من الإسلام ، ابتلعت أوقافه وهدمت مساجده وأذلّت رجاله واستعبدت أهله ، ومحت آثاره من الأرض وهي تجهد في محو آثاره من النفوس ؟

إنّ أقل القليل مما وقع على رؤوسكم من بلاء الاستعمار الفرنسي يوجب عليكم الثورة عليه ، من زمان بعيد ، ولكنكم صبرتم ، ورجوتم من الصخرة أن تلين ، فطمعتم في المحال ، وقد قمتم الآن قومة المسلم الحر الأبي فنعيذكم بالله وبالإسلام ، أن تتراجعوا أو تنكصوا على أعقابكم ، إنّ التراجع معناه الفناء الأبدي والذلّ السرمدي .

أيها الأخوة المسلمون :
إن التراجع معناه الفناء
إن فرنسا لم تبق لكم ديناً ولا دنيا ، وكل إنسان في هذا الوجود البشري ، إنما يعيش لدين ويحيا بدنيا ، فإذا فقدهما فبطن الأرض خير له من ظهرها .
وإنها سارت بكم من دركة إلى دركة ، حتى أصبحت تتحكم في عقائدكم وشعائركم ، وضمائركم ، فالصلاة على هواها لا على هواكم ، والحج بيدها لا بأيديكم ، والصوم برؤيتها لا برؤيتكم ، وقد قرأتم وسمعتم من رجالها المسئولين عزمها على إحداث (إسلام جزائري) ومعناه إسلام ممسوخ ، مقطوع الصلة بمنبعه في الشرق وبأهله من الشرقيين .
إنّ الرضا بسلب الأموال ، قد ينافي الهمة والرجولة ، أما الرضا بسلب الدين والاعتداء عليه فإنه يخالف الدين ، والرضا به كفر بالله وتعطيل للقرآن .
إنكم في نظر العالم العاقل المنصف ، لم تثوروا ، وإنما أثارتكم فرنسا بظلمها الشنيع وعتوّها الطاغي ، واستعبادها الفظيع لكم قرناً وربع قرن ، وامتهانها لشرفكم وكرامتكم ، وتعديها المريع على مقدساتكم .
إنّ أقل القليل مما وقع على رؤوسكم من بلاء الاستعمار الفرنسي يوجب عليكم الثورة عليه ، من زمان بعيد ، ولكنكم صبرتم ، ورجوتم من الصخرة أن تلين ، فطمعتم في المحال ، وقد قمتم الآن قومة المسلم الحر الأبي فنعيذكم بالله وبالإسلام ، أن تتراجعوا أو تنكصوا على أعقابكم ، إنّ التراجع معناه الفناء الأبدي والذلّ السرمدي .
إنّ شريعة فرنسا أنها تأخذ البريء بذنب المجرم ، وأنها تنظر إليكم مسالمين أو ثائرين نظرة واحدة ، وهي أنها عدو لكم وأنكم عدو لها ، ووالله لو سألتموها ألف سنة ، لما تغيرّت نظريتها العدائية لكم ، وهي بذلك مصممة على محوكم ومحو دينكم وعروبتكم وجميع مقوماتكم .
إنكم مع فرنسا ، في موقف لا خيار فيه ونهايته الموت ، فاختاروا ميتة الشرف على حياة العبودية التي هي شر من الموت ..
إنكم كتبتم البسملة بالدماء ، في صفحة الجهاد الطويلة العريضة فاملئوها بآيات البطولة التي هي شعاركم في التاريخ ، وهي ارث العروبة والإسلام فيكم .
ما كان للمسلم أن يخاف الموت ، وهو يعلم أنها كتاب مؤجل ، وما كان للمسلم أن يبخل بماله أو بمهجته ، في سبيل الله ، والانتصار لدينه ، وهو يعلم أنها قربة إلى الله ، وما كان له أن يرضى الدنيّة  في دينه ، إذا رضيها في دنياه .
اخلصوا العمل واخلصوا بصائركم في الله ، واذكروا دائماً وفي جميع أعمالكم ، ما دعاكم إليه القرآن ، من الصبر في سبيل الحق ، ومن بذل المهج والأموال في سبيل الدين ، واذكروا قبل ذلك كله قول الله “جاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم” وقول الله : “كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين”

أيها الأخوة الأحرار :
هلمّوا إلى الكفاح المسلح
إننا كلما ذكرنا ما فعلت فرنسا بالدين الإسلامي في الجزائر ، وذكرنا فظائعها في معاملة المسلمين ، لا لشيء إلا لأنهم مسلمون ، كلما ذكرنا ذلك احتقرنا أنفسنا واحتقرنا المسلمين ، وخجلنا من الله أن يرانا ويراهم مقصرين في الجهاد لإعلاء كلمته ، وكلما استعرضنا الواجبات وجدنا أوجبها وألزمها في أعناقنا ، إنما هو الكفاح المسلح فهو الذي يسقط علينا الواجب ، ويدفع عنا وعن ديننا العار ، فسيروا على بركة الله ، وبعونه وتوفيقه إلى ميدان الكفاح المسلح ، فهو السبيل الواحد إلى إحدى الحسنيين ، إما موت وراءه الجنة ، وإما حياةٌ وراءها العزة والكرامة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
عن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة
محمد البشير الإبراهيمي
الفضيل الورتلاني
القاهرة : 15 نوفمبر 1954.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- بيان نشر ووجّه من القاهرة في 15 نوفمبر 1954 ، وهو منشور في كتاب “الجزائر الثائرة” للمرحوم الأستاذ الفضيل الورتلاني الذي طبع بلبنان في الخمسينات .

شاهد أيضاً

الجزائر الثائرة (1)

أيها الإخوان: كانت جمعية الشبان المسلمين – كعادتها في كل ما تزاول وتحاول – ملهمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *