الإمام الإبراهيمي وفهم القرآن

الأستاذ محمد الصالح الصديق القرآن كتاب أنزله الله تعالى على خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم ، ليكون دستور أمته ، ونظام حياتها ، ومن هذا فهو لم ينزل ليقرأ على الأموات ، ولا ليكتب في الحجب والتمائم ، وإنّما أنزل ليهدي للتي هي أقوم ، وهذا لا يتحقق إلا بقراءته علماً وإيماناً وأدباً وسلوكاً ووطنيةً واجتماعاً وقوةً وحجة . وهكذا قرأه المسلمون في صدر الإسلام فكان ما كان من تقدم ورقي وحضارة إنسانية لم يعرف التاريخ نظيراً لها في مختلف العصور . فخلف من بعدهم خلف يقرؤون القرآن ألفاظاً لا معاني ، وصوراً لا حقائق ، فكان ما كان من ضعفٍ وتأخر وانحطاط ، ويحضرني في هذا المضمار ما قاله الأستاذ حسن الهضيبي ، المرشد العام للإخوان المسلمين : "لو كان أعداؤنا يعرفون أنّ القرآن يقرأه المسلمون اليوم كما كان يقرأه المسلمون في الصدر الأول ، ويتأثرون به كما كانوا يتأثرون ، وأنّ قراءته تهزّ شعرة واحدة في أبدان المسلمين لما أذاعته على المسلمين إذاعات لندن وباريس وإسرائيل ، ولكنهم يذيعونه على أنّ المسلمين يطربون له كأنغام توقع للتسلية ، وتقضي بها أيام المآتم والأفراح ، ثم لا شيء"1 . وهذا الوضع الأليم للمسلمين تجاه القرآن الكريم يدركه بالدرجة الأولى أهل العلم والمعرفة الذين يعرفون قيمة هذا الكتاب وأهميته وفعاليته في هداية البشر ، وترقيتهم وإسعادهم ، ومن هنا فلا غرو أن يتألم العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي لهجر المسلمين لهذا الكتاب المبين وإعراضهم عن انتظام الشمل ، والاستقامة على الجادة والتمكّن في الأرض ، ويكتب ناعياً عليهم مصيرهم المخزي ووضعهم المتردي المخجل ، ومهيباً بهم أن يعودوا إلى هذا الكتاب الذي فيه خلاصهم ونجاتهم ، وبه رقيّهم وازدهارهم ، لأنه كلام خالق النفوس العالم بما ينفعها وما يفيدها ، فأرهف أذنيك واسمع إليه جيداً ، فكل كلمة من كلماته تقطر ألماً وتفيض شعوراً وإحساساً . "ما أضاع المسلمين ومزّق جامعتهم ، ونزل بهم إلى هذا الدرك من الهوان إلا بعدهم عن هداية القرآن ، وجعلهم إياه عضين ، وعدم تحكيمهم له في أهواء النفوس ليكفكف منها ، وفي مزالق الآراء ليأخذ بيدهم إلى صوابها وفي نواجم الفتن ليجلي عماءها ، وفي معترك الشهوات ليكسر شهوتها وفي مفارق سبل الحياة ليهدي إلى أقومها ، وفي أسواق المصالح والمفاسد ليميز هذه من تلك ، وفي مجامع العقائد ليميز حقها من باطلها ، وفي شعب الأحكام ليقطع فيها بفصل الخطاب ، وإنّ ذلك كله لموجود في القرآن بالنص أو بالظاهر أو بالإشارة والاقتضاء ، مع مزيد تعجز عنه عقول البشر مهما ارتقت ، وهو تعقيب كل حكم بحكمه ، وكل أمر بما يثنيه في النفس ، وكل نهي بما ينفر عنه ، لأن القرآن كلام خالق النفوس ، وعالم ما تكن وما تبدي ، ومركب الطبائع ، وعالم ما يصلح وما يفسد ، وبارئ الإنسان وسطاً بين علمين ، أحدهما خير محض ، والآخر شر محض ، فجعله ذا قابلية لهما من غير أن يكون أحدهما ذاتياً فيه ، ليبتليه أيشكر أم يكفر ؟ وليمتحنه أي الطريقين يختار ؟ كل ذلك لجعل سعادته بيده ، وعاقبته باختياره ، وتزكيته أو تدسيته من كسبه ، وحتى يهلك عن بيّنة أو يحي عن بيّنة"2 . والقرآن الكريم – كما يفيد هذا النص تصريحاً أو تلميحاً – ثروة ضخمة هائلة متنوعة لا تحيط بوصفها عبارة أو تصوير هي : ثروة العقيدة ، وثروة الإيمان ، وثروة العلم ، وثروة الفقه ، وثروة اللغة ، وثروة الأدب ، وثروة التاريخ ، وثروة النظام والقانون ، وثروة المعاملة والسلوك ، وثروة الحكم والقيادة . فما أفدح خسارة المسلمين – بالخصوص – بإعراضهم عن القرآن لأنهم بذلك أضاعوا هذه الثروات كلها ، وبإضاعتها ضاعوا ، وتشتت شملهم ، وهان شأنهم ، وصاروا في مؤخرة القافلة . "إنّ الغاية في هذا الوجود – كما يقول الإبراهيمي – سيادة في الحق ، وسيادة بالحق ، وأن لا سبيل إليهما إلا بالعلم والعمل ، وأنّ عمران الأرض متوقف على عمران العقول والنفوس"3 . وقد فقد المسلمون السيادتين يوم هجروا القرآن وصاروا ضعافاً رغم كثرتهم حينما بعدوا عن هدايته ، وحرموا من تلك الأواصر الجامعة الموحدة التي سبق أن أرساها وعمّقها في نفوس أسلافهم المؤمنين : آصرة الروح التي هي نبع الحق وفيضه ، وآصرة الفكرة التي هي الشريعة الحقّة من الكتاب والسّنة ، وآصرة التنظيم الأسري والجماعي والإنساني . تلك الأواصر التي قويت في الجماعة الإسلامية الأولى بالخصوص بفضل اعتصامها بالقرآن وتعاملها معه ، وضعفت في المسلمين في العهود الأخيرة لبعدهم عن هدايته وتعاليمه . إنّ القرآن الكريم "يهدي للتي هي أقوم" [الإسراء 9] وهذا أمر لا شكّ فيه ولا ريب ، ولكن بشرط فهمه فهماً صحيحاً ، والتفاعل معه ، والاهتداء به ، وتطبيق أحكامه ونظمه ، فهو كالدواء لا ينفع بمجرد وجوده معك في بيتك ، وإنّما ينفع باستعماله والمعالجة به بطريقة معينة ، وكيفية مخصوصة ، فالمسلمون الأولونن ارتقى بهم القرآن إلى مستوى متميز كان مثار العجب والإعجاب حينما عملوا به وترجموه إلى حياتهم ، واتخذوه إمامهم وقدوتهم ، وساروا على هديه وفي ضوئه ، ولم يكونوا صالحين لذلك بالجبلة والطبع ونحن غير صالحين ، وفي هذا المضمار وهذا النحو يقول الإمام الإبراهيمي : "ما كان الصدر الأول من سلفنا صالحاً بالجبلة والطبع ، فالرعيل الأول منهم ، وهم الصحابة ، كانوا في جاهلية جهلاء كبقية العرب ، وإنّما أصلحهم القرآن لما استمسكوا بعروته ، واهتدوا بهديه ، ووقفوا عند حدوده وحكّموه في أنفسهم ، وجعلوا منه ميزاناً لأهوائهم وميولهم وأقاموا شعائره المزكية ، وشرائعه العادلة في أنفسهم وفيمن يليهم ، كما أمر الله أن تقام ، فبذلك أصبحوا صالحين مصلحين ، سادة في غير جبرية ، قادة في غير عنف ، ولا يصلح المسلمون ويسعدون إلا إذا رجعوا إلى القرآن يلتمسون فيه الأشفية لأدوائهم ، والكبح لأهوائهم ، ثم التمسوا فيه مواقع الهداية التي اهتدى بها أسلافهم"4 . إنّ المسلمين الأولين صلحوا بالقرآن فأصلحوا العالم ، حرروا فكره وروحه ، حرروا الفكر من الوهم والخرافة ، ووجهوه نحو تنمية الحياة في الأرض ، وحرروا الروح من الهبوط والتردي ، وأطلقوه يرتاد الآفاق العليا ، ومن هنا نمت الحياة نمواً طبيعياً في ظل القرآن ، تنجذب دأباً نحو العلا آمنةً من الجفاف والخواء أو التردي والانتكاس . وشاهد التاريخ لأول مرة فوق هذه البسيطة أرقى حضارة إنسانية أساسها العلم والعمل ، وقوامها الحق ، والعدل ، وغايتها العاجلة والآجلة تلك الحضارة التي قال فيها الفيلسوف الألماني الشهير "نيتشه" أحد عظماء أوروبا : "لقد حرمتنا المسيحية ميراث العبقرية القديمة ، ثم حرمتنا بعد ذلك من الإسلام ، فقد ديست بالأقدام تلك المدنية العظيمة ، مدنية الأندلس العظيمة ، ولماذا ؟ لأنها نشأت من أصول رفيعة ومن غرائز شريفة ، نعم من غرائز رجال ! تلك المدنية لم تنكر الحياة بل أجابتها بالإيجاب ، وفتحت لها صدرها ، وقد قاتل الصليبيون تلك المدنية بعد ذلك ، قاتلوها وكان أولى بهم أن يسجدوا لها على التراب ويعبدوها ! وما مدينتنا في هذا القرن التاسع عشر إلا فقيرة وانية بجانب مدينة الإسلام في ذلك الوقت"5 . ولما هجر المسلمون القرآن في القرون الأخيرة انحطوا إلى الدرك الأسفل ، وصاروا لا يقودون الحياة ولا يوجهونها ، ولا يقدرون على تنميتها ، ونستشف هذا من قول الإمام الإبراهيمي : "إذا كان العقلاء كلهم مجمعين على أنّ المسلمين الأولين صلحوا فأصلحوا العالم ، وسادوه فلم يبطروا ، وساسوه بالعدل والرفق ، وزرعوا فيه الرحمة والحب والسلام ، وإنّ ذلك كله جاءهم من القرآن ، لأنه الشيء الجديد الذي حوّل أذهانهم وهذّب طباعهم ، وثبّت الفضائل في نفوسهم ، فإنّ الإجماع على ذلك ينتج لنا أنّ سبب انحطاط المسلمين في القرون الأخيرة هو هجرهم للقرآن ونبذه وراء ظهورهم ، واقتصارهم على حفظ كلماته ، وحفظ القرآن – وإن كان فضيلة – لا يغني غناه ما لم يفهم ويعمل به"6 . أما أسباب هذا الهجران فيرى الإمام أنّ "بعضها آتٍ من نفوسهم وبعضها آتٍ من خارجها ، فمن الأول افتتانهم بآراء الناس وبالمصطلحات التي تتجدد بتجدد الزمان ... وتقديس الأئمة والمشائخ ، والعصبية للآباء والأجداد ، وغلت طوائف منهم في التعبّد .... فاختلت الموازنة التي أقامها القرآن بين الجسم والروح ، وغلت طوائف أخرى في تجميد العقل ، وكل هذا وأكثر من هذا شعّب السبل إلى الحق وأغام الأفق ، وبلبل العقول فكان التفرق الشنيع في الدين ، وكانت الفتن وكان ضعف المسلمين وانحطاطهم . ومن الثاني : الدسائس الدخيلة التي صاحبت تاريخ الإسلام .... إلى هجوم الآراء والمعتقدات المنافية للقرآن .... إلى ما ادّخر لزماننا من إلقاء المبشرين والمستشرقين للشبهات في نصوص القرآن الكريم" . والاهتداء بالقرآن الكريم متوقف على فهمه فهماً صحيحاً وفهمه الصحيح متوقف على أمور يعرض بعضها الإمام الإبراهيمي فيما يلي : أولاً : فقه أسرار اللسان العربي فقهاً ينتهي إلى ما يسمى ملكة وذوقاً . ثانياً : الاطلاع الواسع على السنّة القولية والعملية التي هي شرح وبيان القرآن الكريم . ثالثاً : استعرض القرآن كله عند التوجه إلى فهم آية منه أو إلى درسها ، لأنّ القرآن كله لا تختلف أجزاؤه ، ولا يزيغ نظمه ، ولا تتعاند حججه ولا تتناقض بيّناته ، ومن ثم قيل : إنّ القرآن يفسر بعضه بعضاً ، بمعنى أنّ مبينه يشرح مجمله ، ومقيدّه يبيّن المراد من مطلقه إلى آخر الأنحاء التي جاء عليها القرآن في نظمه البديع وترتيبه المعجز . رابعاً : الرجوع في مناحيه الخصوصية إلى مقاصده العامة لأنّ خصوصيات القرآن وعمومياته متساوقةٌ يشهد بعضها لبعض" وكل هذه الأمور – يقول الإبراهيمي – لا تتهيأ إلا لصاحب الفطرة السليمة والتدبر العميق والقريحة اليقظة والذهن الصافي والذكاء الوهّاج7 . ومن هنا يستاء الإبراهيمي من أولئك العلماء الذين يقولون تفسير القرآن الكريم ، ولكنهم يشغلون أنفسهم وغيرهم بالقشور عن الألباب ، والأصداف عن اللآلئ ، فعوض أن يهتموا بالحقائق والأسرار والنظم والعجائب التي احتواها هذا الكتاب السماوي المبين ، يتيهون في متاهات المصطلحات والجدال والتعصبات المذهبية ، والنظرات الهامشية وبذلك ينفرون منه ، ويهوون بالنفوس إلى درك الملل والسأم ، ولنستمع إليه إذ يقول في هذا المضمار : "وأشهد ، لقد كنت ضيفاً بتونس منذ سبع عشرة سنة ، فقيل لي عن عالم من مشائخ جامع الزيتونة ، ومن أبعدهم صيتاً في عالم التدريس ، إنّه يقرئ التفسير ، فشهدت يوماً درسه لأكوّن فكرة عن دراسة التفسير في ذلك المعهد الجليل ، وكنت معنياً بهذا البحث وجلست إليه أكثر من نصف ساعة ، فوالذي نفسي بيده ما سمعت منه كلمة واحدة من الآية التي هي موضوع الدرس ، ولا لمحت أمارة ولا إشارة تدل على أنّ الدرس في التفسير ، وما كان كل الذي سمعت إلا حكاية لجدل عنيف ، وتمثيلاً لمعركة لفظية مستعرة بين السيد الجرجاني وعبد الحكيم ، حول عبارة لعلها لمفسر من المفسرين الاصطلاحيين ، ثمّ انقضت الحصة ، وقام الطلبة المساكين يتعثرون تبدو عليهم سيماء التعب والملل والخيبة ، وقمت أنا مستيقناً أنّ هذه الطريقة في التفسير هي أكبر الحجب التي حجبت المسلمين عن فهم كتاب الله ، ثم زهدتهم فيه وصدتهم عن موارده"8 . ويبرز عبر العصور الإسلامية علماء أجلاء نهضوا بمهمة التفسير على الوجه المطلوب وإن كانوا متفاوتين في العدة والمنهاج ، وفي العصر الحديث شاهدت ساحة القرآن الكريم أعلاماً أدركوا هم الآخرون مسؤوليتهم أمام الله ثم التاريخ تجاه هذا الكتاب المبين أمثال المصلحين الكبيرين الشيخ محمد عبده ، والشيخ رشيد رضا ، وإمام النهضة الإصلاحية في الجزائر الشيخ عبد الحميد بن باديس ، فأحدثوا نهضة قرآنية رائعة ، أيقظت العقول وأحيت النفوس ، وأذكت الفطن ، وجلت المواهب ، وهذبت الطباع ، وأعلت الهمم , وأقامت البرهان عملياً على أنّ هذا الكتاب يهدي للتي هي أقوم! . وفي هذا النسق والسياق يقول الشيخ الإبراهيمي : "ثم جاء إمام النهضة بلا منازع ، وفارس الحلبة بلا مدافع الأستاذ الإمام محمد عبده ، فجلا بدروسه في تفسير كتاب الله عن حقائقه التي حام حولها من سبقه ولم يقع عليها ، وكانت تلك الدروس آية على أنّ القرآن لا يفسر إلا بلسانين لسان العرب ولسان الزمان ، وبه وبشيخه جمال الدين استحكمت هذه النهضة واستمر مريرها ، ثمّ جاء الشيخ محمد رشيد رضا جاريا على ذلك النهج الذي نهجه محمد عبده في تفسير القرآن ، كما جاء شارحاً لآرائه وحكمته وفلسفته . ثم جاء أخونا وصديقنا الأستاذ الشيخ عبد الحميد ابن باديس قائد تلك النهضة بالجزائر بتفسيره لكلام الله على تلك الطريقة ، وهو ممن لا يقصر عمّن ذكرناهم في استكمال وسائلها ، من ملكة بيانية راسخة ، وسعة اطلاع على السنة ، وتفقّه فها ، وغوص على أسرارها ، وإحاطة وباع مديد في علم الاجتماع البشري وعوارضه ، وإلمام بمنتجات العقول ومستحدثات الاختراع ، ومستجدات العمران يمدّ ذلك كله قوة خطابية قليلة النظير ، وقلم كاتب لا تفّل له شباة"9 . وقبل أن نودع الإمام الإبراهيمي في هذه الرحلة الشيقة في واحات القرآن الكريم نرهف آذاننا ونستمع إليه وهو يقرر حقيقة ناصعة ضخمة لبّت المسلمين جميعاً يدركونها : "إنّ الأمة الإسلامية التي يقرأ الناس أخبارها في التاريخ ، فيقرؤون المدهش المعجب ، ويرى الناس آثارها في العلم والتشريع والأدب والحكمة فيرون الطراز العالي البارع ، فيستوي المحب والمبغض في الاعتراف بأنّ أمة هذه أخبارها وهي آثارها ، لهي الأمة حق الأمة ، إنّ تلك الأمة ما كانت أمة بذلك المعنى وتلك الأوصاف إلا بالقرآن"10 الهوامش: 1- مجلة (المسلمون) القاهرة ، 8 جوان 1953 . 2- المصدر نفسه ، العدد 10 ، أغسطس 1953 . 3- الشهاب ، ج4 ، م14 ، ربيع الثاني – جمادى الأولى 1357 / جوان – جويلية 1938 . 4- مجلة المسلمون ، العدد 10 ، أغسطس 1953 . 5- المصدر نفسه ، العدد 2 ، ديسمبر 1952 . 6- المصدر نفسه ، العدد 10 ، أغسطس 1953 . 7- المصدر نفسه . 8- الشهاب ، ج 4 م 14 ، ربيع الثاني – جمادى الأولى 1357 / جوان – جويلية 1938 . 9- المصدر نفسه . 10- المصدر نفسه . مجلة الوعي العدد2 نوفمبر2010

الإمام الإبراهيمي في ضمائر العلماء والمفكرين

الأستاذالدكتور عبدالرزاق قسوم لأن يفتتن بفكر الإمام محمد البشير الإبراهيمي ثلّة من العلماء ممّن أشربوا حبّ العربية ، ورضعوا رحيق إعجازها وألغازها ، فيبوّئوه المكان الأسمى ، والعنوان الأسنى فذلك كله أمر طبيعي ، ولأن يهيم حباً بالأسلوب الإبراهيمي في جزالته ومتانته ورصانته ، ثلّة من الأدباء ، من الذين امتهنوا الأدب العربي رسالة ، والقافية العربية أصالة ، والجملة العربية بلاغة ، فذلك أيضاً نافل القول . إنّ الذين نشأوا بين أحضان لغة الضاد يترنمون بأهازيجها ويتندرون بعذب موسيقاها وطيب أريجها ، لا عذر لهم في أن لا يذوبوا في سلامة البيان وحكمة البرهان ، ودقة العرفان التي هي من خصائص الإبداع الإبراهيمي ، وقد غدت لازمة من لوازم أدبه ورائعة من روائع سجعه وحكمته . فوسط ثلّة من العلماء الأولين وثلّة من الأدباء الآخرين ، تنتظم كوكبة طويلة ، متنوعة الحلقات ، متلألئة السباك ، من أمثال الأساتذة والدكاترة : محمد بهجت البيطار ، ومحمد فاضل الجمالي ، وخليل مردم ، ومحمد عبد اللطيف درّاز ، وعبد العزيز الميمني ، وعمر بهاء الدين الأميري ، وسيد قطب ، ومحمد نصيف ، ومحمد إبراهيم الكتاني ، ومحمد الطاهر ابن عاشور ، ومحمد ابن العربي العلوي ، ومحيّ الدين القليبي ، وفارس الخوري ، وجميل صليبا ، وغيرهم . فما من هؤلاء إلا فارس في حلبة الثقافة العربية الإسلامية ، وبارع في ميدان الفكر والقلم ، غير أنّه ما إن يتصل بألوان الإنتاج الإبراهيمي ، نثره وشعره وسجعه ، إلا خرّ صريعاً أمام سمو إبداعه الفكري ، وعلّو تصويره الأدبي . لكن المثير للدهشة ، والداعي إلى التعجب ، هو أن يفتن بنظريات الإبراهيمي السياسية ، ونضالاته الوطنية ، ومقاومته الاستبسالية ، وتنبؤاته المستقبلية ، جهابذة فكر! وأساطير قلم ! ومنظرو إيديولوجية ! ، ممن لا تربطهم بالإبراهيمي ثقافة اللغة العربية ، من أمثال : روجي غارودي ، وماري نجم ، ومالك حداد ، ولا إيديولوجية التنظير الإسلامي التي يبشر بها محمد البشير الإبراهيمي أمثال : عمّار أوزقان ، وفرحات عبّاس ، وجميل صليبا ، وعاشور شرفي ، .... وغيرهم ، فقد أجمع الجميع على الحقيقة الناصعة وهي أنّ الحق فوق كل الإيديولوجيات ، والصدق قيمة إنسانية ، يلتقي حولها الجميع بمختلف قناعاتهم ، وانتماءاتهم ، لذلك وجدنا عبارة الشهادة والتقدير تجري على ألسنة هؤلاء المفكرين والمنظرين وأقلامهم ، وقد اتصلوا بالفكر الإبراهيمي ، فما كان لهم إلا أن يشيدوا بخصائص هذا الفكر ، وينشروا في الناس شذى عطره وذكره . وخدمة منّا للقارئ العربي نحب أن ننقل إليه عينات من شهادات وإشادات هؤلاء المفكرين من حملة الثقافة الغربية في رائد الثقافة العربية محمد البشير الإبراهيمي ، يحدونا في كل هذا دافع الإنصاف والموضوعية ،وخدمة التاريخ والوطنية . فهذا الأديب الجزائري ذائع الصيت "مالك حداد" المنفي داخل الثقافة الفرنسية ، كما يصف نفسه ، وصاحب الروائع الأدبية مثل : "رصيف الأزهار لم يعد يجيب" ورواية "سأهبك غزالة" وغيرهما ، هذا الأديب عندما كتب له أن يتصل بأدب الإبراهيمي ، وصور نضاله الوطني يقدم لنا شهادته عن جزائر الإبراهيمي ودوره فيها ، فيكتب في جريدة "المجاهد" الناطقة بالفرنسية ، وفي ملحقها الثقافي بتاريخ 21 ماي 1981م مايلي : "في جزائر كانت تعاني التدنيس ، والقتل ، والعرق ، والأرق ، وبعدما جربت فرنسا فيها العدوان العسكري علينا والعدوان الاقتصادي ، أقدمت على عملية العدوان على الجانب الروحي ، والجانب الفكري ، والجانب العقلي ، بهدف إذابتنا في فكرها وتشويهنا . في جزائر هذه خصائصها كان على الإسلام أن يصبح وطننا الوحيد ، وأن ينبري رجال لكتابة ذلك والإعلان عنه بالصوت العالي ، ونشره في الناس بكل شجاعة وإيمان . لقد مثّل هذا الإعلان شهادة عقيدة إيمانية وشهادة سياسية وطنية ... مما جعل هذا الإجراء النبيل البوتقة التي أصبحت فيها العقيدة هي الحافز الأسمى والغاية المثلى للعمل وللأخلاق" . ويضيف مالك حداد : "ومن بين هؤلاء الرجال الذين اؤتمنوا على المشعل الذي صار نوراً ، ثمّ ضياء ، ثمّ ناراً حارقة ، ذات صباح في نوفمبر من هؤلاء الرجال يبرز الشيخ "محمد البشير الإبراهيمي" الذي تحيي الجزائر يوم 20 ماي ذكرى وفاته1 . وينتهي مالك حداد بعد تحليله الدقيق والعميق لآثار الإبراهيمي ، فيقدم لنا هذه النتيجة : "إنّ مؤرخي المستقبل الذين سيدعون إلى تقييم شخصية الشيخ محمد البشير الإبراهيمي وعمله ، ومسيرته ، سيجدون أنفسهم مسحورين بغزارة علمه وتنوّع فكره الذي عرف كيف يتعالى عن شعوره الوطني والقومي ليضع لنا تصوراً لمستقبل جزائر جديدة ، وقد استعادت مكانتها ضمن ثقافتها فاستطاعت أن تربط الصلات المتينة مع حضارة العصر الحديث . فمن دمشق إلى تلمسان مروراً بتونس وسطيف ، في جو الرعب والقمع الذي كان سائداً آنذاك ، وفي منطق تشريعي محدود جداً ، وضمن سرية محفوفة بالمخاطر ، كان الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الرائد الذي لا تلين له قناة ، والحامل القدير لفكرة الدفاع عن قضية تمتد في عمقها مع النشيد العميق لجزائر الخلود ، لم يكن هذا الشيخ يبالي بأي خطر ، وهو ما كلّفه عوالم السجن ، والنفي ، والإقامة الجبرية2. هذا هو محمد البشير الإبراهيمي المناضل في سبيل القضية الوطنية والحضارية كما تراءى لضمير الأديب الملتزم بقضايا ثقافة وطنه ، "مالك حداد" . فإذا انتقلنا إلى منظّر إيديولوجي آخر هو عمّار أوزقان ، وعمّار أوزقان لمن لا يعرفه مناضل ملتزم بقضايا اليسار الإيديولوجي ، والاشتراكية العلمية ، فهو الذي قضى سواد حياته وبياضها دفاعاً عن الجزائر قبل كل شيء ، والطبقة الشغيلة . فليس هناك ما يجمع الاشتراكي العلمي الشيوعي عمّار أوزقان بالعالم المسلم الموسوعي الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ولكن تأبى القيم الوطنية السامية إلا أن تكون المشعل المشترك الذي يستضيء به كل الأحرار مهما تختلف إيديولوجياتهم ، من هنا وجدنا عمار أوزقان يخصص وقفة تأملية عميقة للشيخ محمد البشير الإبراهيمي ، فخصّص له في مجلة "الثورة الإفريقية" الناطقة بالفرنسية في عددها الصادر بتاريخ 29 ماي 1965م – أي بعد أسبوع من وفاة الشيخ – مقالاً موضوعياً ، يحمل عنوان "الوطني الذي لا يساوم" جاء فيه على الخصوص : "شيّعت الجزائر الاشتراكية جثمان الشيخ محمد البشير الإبراهيمي آخر رئيس لجمعية العلماء ، شيعّته بجماهير غفيرة إلى مثواه الأخير ، ولقد كان هذا الرجل – بحق – الوطني الذي لا يقبل المساومة على مبادئ وطنه ، والذي كانت الإدارة الاستعمارية تعتبره الشخصية السياسية غير القابلة للرشوة أو فساد الذمة ، فقد قام بدور طلائعي ، سواء داخل الوطن أو خارجه ، بوصفه الإيديولوجي التقدمي للاتجاه البرجوازي الديمقراطي" . ويضطر عمار أوزقان إلى استخلاص بعض النتائج مثل قوله : "لا أحد يجادل اليوم في حقيقة هامة وهي أنّ التعلّق بالإسلام قد كان روح الحركة المعادية للاستعمار ، والمحرك السياسي الديني للثورة ، سواء في مرحلتها النضالية الوطنية ، أو في مرحلتها الاجتماعية الجديدة . لقد رفع الإصلاح في الجزائر طيلة ثلاثين سنة برنامجاً يتخذ شعاراً له هذه الصيغة النبيلة "الإسلام ديننا ، والعربية لغتنا ، والجزائر وطننا" إنّ هذا الإحياء الديني الذي مثلّه الإصلاح قد ساهم وبفعالية في تقليص وتحطيم النزعة الإصلاحية المزعومة ، الداعية إلى الاندماج ، التي كان يتزعمها الجزائريون المفرنسون ، كان نضال الإصلاح الديني بلا هوادة ضد التّجنس بالجنسية الفرنسية ، ومن أجل حماية قانون الأحوال الشخصية من المسخ ، والكفاح ضد تعيين المفتي الديني من طرف الكاتب العام للعمالة3 النصراني أو اليهودي أو الملحد ، وكل ذلك من أجل صيانة الشخصية الجزائرية . لقد أتيح لي أن أكتب من السجن عام 1962م لأقول بأنّ : الحركة الإصلاحية كانت الدليل على تكوين الوعي الوطني ، تحت أشكال مختلفة ، وتنبثق كلها من الوعي بالمصلحة المشتركة العليا في مواجهة النظام الاستعماري ، وقمع الشعب الجزائري كله دون تفرقة بين فئاته وطبقاته . كان الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمة الله عليه يؤكد دائماً على تنبيه الوطنيين الشرفاء ، بأنّ برنامج جمعية العلماء هدفه الأسمى هو التحرير الكامل للوطن . وينتهي عمار أوزقان إلى هذه النتيجة من نتائجه ، وهي : "إنّ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي كان يمكن أن يكون المنظر المثالي في ديمقراطية وطنية ، حيث تحتاج السلطة إلى فلسفة الشيخ لإتمام عملية القضاء على الشرك والثنية ، وتقديس شخصية الطرقيين الذين يعبدون في البوادي كشركاء لله" . هكذا أبّت الحقيقة الإصلاحية إلا أن تخرج من أفواه غير الإصلاحيين دينياً وأن تستقر في ضمائرهم . وشبيه بهذه الشهادة ما وجدناه عند الاشتراكي الآخر روجي غارودي الفرنسي الجنسية الشيوعي الإيديولوجية ، والمسلم اليوم عقيدةً . إنّ شهادة روجي غارودي عن الشيخ الإبراهيمي التي استقرت في ضميره منذ 1944م لم تخرج إلى الناس إلا في مقال كتبه في مجلة "الثقافة الجزائرية" عام 1985م ، يقول مايلي : "كانت هناك صورة كبيرة للأمير عبد القادر تغطي جدار صالون الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ، إنها الصورة الكبرى التي ارتسمت في ذاكرتي من أول لقاء لي بالشيخ محمد البشير الإبراهيمي عام 1944م ، فبعد نشر بحثي الموسوم بـ : "مساهمة الحضارة الإسلامية في الثقافة الإنسانية" استقبلني الشيخ وكنت مصحوباً بالأخ عمار أوزقان – الذي سيصبح فيما بعد وزير الزراعة في الجزائر المستقلة – هذا المناضل الذي قضيت معه ثلاث سنوات في السجن والمعتقل . كان الأمير عبد القادر المثل بالنسبة للشيخ محمد البشير الإبراهيمي ، الرمز والمثل في الحياة الدينية والعسكرية ، شرح لنا الشيخ أثناء استقباله لنا ، تواصل النضال الذي بدأه الأمير إلى ما بعد 1830م ، وهو ممتد اليوم في نضال الشعب الجزائري ضد التهديد بالقضاء على شخصيته ، وضياع هويته ، هذا الخطر الجاثم على صدر شعبنا ، منذ أكثر من قرن ، بفعل الغزو الاستعماري الفرنسي ويتواطأ ومساعدة الطرقية التي تتعاون مع المحتل تحت غطاء إسلام مظلوم . لقد مثّل الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بمعيّة الشيخ عبد الحميد ابن باديس الروح لثورة ثقافية حقيقية في الجزائر ، والتي جعلت بالإمكان تحرير الشعب الجزائري عام 1962م من فترة مئة وثلاثين سنة من الاستيلاب ، مستعيداً بذلك هويته العربية الإسلامية ، والتي لم يتوقف شعب الجزائر عن الكفاح في سبيلها منذ الأمير عبد القادر ، ومروراً بالشيخ بوعمامة ، والمقراني ، إلى اندلاع ثورة 1954م ، والنصر الكامل المحقق عام 1962م" . ويضيف غارودي : "إنّه في ضوء الإسلام فقط يمكن طرح قضية الجزائر كلها تحت كل جوانب أشكالها وأهمها ، أي الثورة الجزائرية ما كان هدفها تغيير مجموعة المستعمرين الحاكمة بجزائريين يمارسون الحكم بنفس القوانين ، إنّ المطلوب – حقاً – هو بناء مجتمع جديد قائم على قيم تختلف جوهرياً عن القوانين التي كانت سائدة منذ أكثر من مئة وثلاثين سنة من الممارسة الاستعمارية ، إنّ هذه القيم الجديدة هي القيم ذات الطابع الإسلامي ، وهذا يتطلب تغيير الإنسان ، وتغيير الهياكل ، ولعلّ الخطأ الذي وقع فيه الثوريون المزيفون هو أن يعملوا على تغيير كل شيء إلا تغيير ما بأنفسهم ، والقرآن صريح في هذا :"إنّ الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم" [الرعد ، 11] . إنّ الفضل هو ما شهد به المغايرون لفكرنا ، أو حزبنا ، أو إيديولوجيتنا ، ولو أردنا أن نستعرض ما قاله في الشيخ الإبراهيمي أعلام من الفكر والثقافة لما وسعتنا المجلة بكاملها ، فمن فرحات عباس ، إلى محفوظ قدّاش ، وماري نجم ، وبوعلام بالسايح ، والهاشمي التيجاني ، وكلهم وإن تباينت قناعاتهم الدينية ، وانتماءاتهم السياسية ، مجمعون على أنّ الإبراهيمي وجمعية العلماء هي الروح التي نفخت في الثورة الجزائرية بالإعداد والإمداد والاستشهاد ، ومن ينكر هذا فهو أعشى البصر والبصيرة "إنّما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثمّ إليه يرجعون" [الأنعام ، 36] . إنّ التاريخ صحائف ، وإنّ النضال أعمال ، فمن أراد التاريخ فعليه بالصحائف ، ومن أراد النضال فعليه بالأعمال ، وإنّ الأيام صحائف وأعمال .... الهوامش: 1- الشيخ البشير الإبراهيمي ، الرائد شهادات وتقدير ، مقالات بالفرنسية ، جمعها نور الدين خندودي ، دار الأفكار ، الجزائر 2007 ، ص 56 . 2- المصدر نفسه ، ص 57 . 3- العمالة في اصطلاح ذلك العهد هي الولاية . مجلة الوعي العدد2 نوفمبر2010

مقومات الفكر الاصلاحي عند الامام محمد البشير الابراهيمي (3)

3- التوعية و التربية : طريقة و منهجا اعتمد الشيخ الابراهيمي في منهجه الاصلاحي على ركيزتين أساسيتين، هما. التوعية و التربية. و هما في الواقع ركيزتا جمعية العلماء ، فما كان للشيخ أن يحيد عنهما. و هو الأمين على مسيرة الجمعية و المضي بها قدما في طريقها الذي رسمته من أول يوم. أما التوعية، فهي لجماهير الشعب، الذي هو هدف الاصلاح و وسيلته معا. و أما التربية، فهي للطلائع التي ينتظر منها أن تقود معركة التحرير، و معركة البناء و التقدم فيما بعد. التوعية: و كانت التوعية في نظر الشيخ- كما هي في نظر جمعية الاصلاح منذ نشأت- تقوم على فهم الدين فهما صحيحا، بحيث تنشئ مسلما سليم العقيدة، صحيح العبادة، مستقيم السلوك، عزيز النفس، قوي الجسم، حر الإرادة، مستنير العقل، محبا للخير، غيورا على أهله و وطنه و دينه، عالما بمن هو صديقه و من هو عدوه. و كان انشاء هذا الجيل هو قرة عين الشيخ و إخوانه ، و كان هو معقد الأمل في تحقيق النصر المنشود على الاستعمار الفرنسي، و ما خلفه من آثار في الأنفس و العقول و الحياة، و كان الاستعمار الفرنسي اللعين يعرف تمام المعرفة : أن هذا الجيل هو الخطر الحقيقي على وجوده و بقائه في الجزائر، و لذا كان ماضيا في سبيله، مستعينا بربه، مشدود الأزر باخوانه من العلماء، و بشعبه الجزائري الأبي. و كانت جولات الشيخ في طول البلاد و عرضها، و دروسه و خطبه و محاضراته، و أحاديثه الخاصة و العامة، و مقالاته في (البصائر) : كلها تدور حول ايقاظ الوعي الديني الحقيقي، و تنقية الفكر الاسلامي من الخرافات و الأباطيل و البدع، التي شوهت وجه الدين الجميل، و أضافت اليه من الزوائد و الشوائب ما كدّر صفاءه، و لوّث نقاءه، و من المحدثات ما عسّر الدين الذي أراد الله به اليُسر و لم يرد به العُسر، و ما جعل فيه من حرج. و كل عمل في هذا السبيل يهدم لبنة من لبنات الاستعمار المخرب، و يضع لبنة في بنيان الجزائر العربية المسلمة، جزائر الغد، و يغرس الآمال في أنفس الجزائريين، بقدر ما يغرس المخاوف في قلوب الفرنسيين. أشنع أعمال فرنسا في الجزائر: و يتحدث العلامة الابراهيمي عن التخريب الهائل الذي مارسته فرنسا في الجزائر منذ احتلالها، فيقول(1) : ( كانت الجزائر قبل احتلال الفرنسيين لها في سنة 1830م، دولة مستقلة غنية، تملك خصائص الدولة في ذلك العصر، و أهمها العلم بالدين و الدنيا، و فيها من الأوقاف الاسلامية الدارة على العلم و الدين و وجوه البر ما لا يوجد مثله في قُطر إسلامي آخر، و منذ تغلب عليها الاستعمار الفريد في الخبث، و هو يعمل جاهدا على قتل شخصيتها بالقضاء على الدين و اللغة العربية، و كان أول عمل قام به هو مصادرة الأوقاف الاسلامية و المعاهد التابعة لها من مساجد و مدارس و زوايا، و تحويلها الى كنائس و ثكنات و اصطبلات و ميادين و مرافق عامة، ثم أصدرت قانونا لا نعرف له نظيرا في تاريخ البشرية العاقلة يقضي باعتبار اللغة العربية لغة أجنبية في وطنها و بين أهلها، يتوقف تعليمها على إذن خاص و شروط ثقيلة، و زادت تلك الشروط على الأيام ثقلا و عنتا، حتى أصبحت في السنوات الأخيرة لا تطاق، و أصبح معلم العربية يقف في قفص الاتهام مع اللصوص و السافكين، و تجري عليه العقوبات مثلهم بالسجن و التغريم و التعذيب. ثم دأب الاستعمار ( من مائة و نيف و عشرين سنة) على طمس كل أثر للإسلام و العربية، و قطع كل صلة بينهما و بين الشرق، ليتم له مسخ الأمة الجزائرية، و إدماجها في الأمة الفرنسية، و لكن المناعة الطبيعية في هذه الأمة، و تصلّبها في المحافظة على التراث اللإسلامي المقدس، و على خصائصها الشريفة، دفع عنها ذلك البلاء، و أنقذها من ذلك المصير. توعية الشعب و تنويره: و يشرح الشيخ ما تقوم به جمعية العلماء من تنوير و توعية للشعب الجزائري، و تحرير عقله و وجدانه و إرادته من الأوهام و الضلالات، و شغله بمعالي الأمور عن سفاسفها، و وصله بالحق بدلا من ركضه وراء الباطل، عن طريق المساجد و الأندية و غيرها. فيتحدث عن مبدأ جمعية العلماء و غايتها فيقول: غاية جمعية العلماء تحرير الشعب الجزائري: « مبدأ جمعية العلماء يرمي الى غاية جليلة، فالمبدأ هو العلم، و الغاية هي تحرير الشعب الجزائري، و التحرير في نظرها قسمان: تحرير العقول و الأرواح و تحرير الأبدان و الأوطان، و الأول أصل للثاني، فإذا لم تتحرر العقول و الأرواح من الأوهام في الدين و في الدنيا، كان تحرير الأبدان من العبودية و الأوطان من الاحتلال متعذّرا أو متعسّرا، حتى اذا تم منه شيء اليوم، ضاع غدا، لأنه بناء على غير أساس، و المتوهم ليس له أمل، فلا يرجى منه عمل. لذلك بدأت جمعية العلماء-من أول يوم نشأتها- بتحرير العقول و الأرواح، تمهيدا للتحرير النهائي، فوضعت برنامجا محكما، لوعظ الكبار و ارشادهم بالدروس و المحاضرات، حتى بلغت من ذلك أقصى غاية من الجهد و أقصى غاية من النتائج، و أصبح الشعب- في جملته- صافي الفكر، مستقل العقل، متوهج الشعور، مشرق الروح، فاهما للحياة، واسع الأمل فيها، عاملا للحرية و الاستقلال، مؤمنا بماضيه، عاملا على ربط الحاضر بالماضي، و وصله بالوطن العربي الأكبر، متبصرا في وزن رجاله، لا ينطلي عليه غش الغشاشين و لا تدجيل الدجالين. و معلوم أن هذه المعاني لا تدخل النفوس دفعة واحدة، و إنما تكمل بالتدرج، و الذي وصل اليه الشعب الجزائري من هذا هو نتيجة نيف و عشرين سنة من أعمال جدية متواصلة، و لكنه لا يتم عادة في أقل من خمسين سنة. أعمال جمعية العلماء في التعليم العربي و التوعية: و يعدد الشيخ ما قامت به جمعية العلماء من أعمال مجيدة للشعب، فيقول: أولا: زادت الجمعية على هذا العمل العام آخر خاصا، و هو العمل على تخرج جيل جديد، يتلقى هذه المعاني في الصغر، و يثبتها بالعلم الصحيح، لتحارب الاستعمار بسلاح من نوع سلاحه و هو العلم، فأسست في هذين العقدين من السنين نحو مائة و خمسين من المدارس الابتدائية للعربية و الدين، و شيدتها بمال الأمة، و صيرتها ملكا للأمة، و هي تضم اليوم ما يقرب من خمسين ألف تلميذ، من حملة الشهادات الابتدائية من مدارس الجمعية. ( و سنتحدث بتفصيل عن هذا المر عند حديثنا عن عنصر التربية). ثانيا: بما أن المساجد التي هي تراث الأجداد، صادرتها الحكومة الفرنسية و صادرت أوقافها من يون الاحتلال، فأحالت بعضها كنائس و بعضها مرافق عامة، و هدمت كثيرا منها لتوسيع الشوارع و الحدائق و احتفظت بالباقي لتتخذ منه حبالة تجر أشباه الموظفين الدينيين، و مازالت الى الآن هي التي تعين الأئمة و الخطباء و المؤذنين و القومة، و لكنها تستخدمهم في الجاسوسية و المخابرات، و تجري عليهم المرتبات من الخزينة العامة، لذلك التفتت الجمعية الى هذه الناحية الحيوية و شيدت بمال الأمة نحو سبعين مسجدا في أنحاء القطر، لأداء الشعائر و إلقاء الدروس الدينية، و الحكومة الفرنسية تنظر إلى هذه المساجد نظرتها الى الحصون المسلحة. ثالثا: في الجزائر مئات الآلاف من الشبان العرب المسلمين، فاتهم التعليم الديني و العربي، و لا تلقاهم الجمعية في المدارس و لا في المساجد، و الاعتناء بهم واجب، فأنشأت لهم الجمعية عشرات من النوادي المنظمة الجذابة، تلقي عليهم فيها المحاضرات العلمية و الدينية و الاجتماعية، و أدت هذه النوادي أكثر مما تؤديه المدارس و المساجد من التربية و التوجيه. رابعا: أنشأت الجمعية للعمال الجزائريين في باريس و غيرها من مدن فرنسا عشرات من النوادي و زودتها بطائفة من الوعاظ و المعلمين من رجالها، يتعلم فيها أولئك العملة ضروريات دينهم و دنياهم، و يتعلم فيها أبناؤهم اللغة العربية تكلما و كتابة، و يتربون على الدين و الوطنية، و قد استفحل أمر هذه النوادي و أتت ثمراتها قبل الحرب الأخيرة، ثم قضت عليها الحرب، ثم حاولت الجمعية تجديدها بعد الحرب، غير ان التكاليف المالية تضاعف واحدها الى الآلاف، فكان ذلك وحده سببا للعجز. خامسا: أنقذت الجمعية عشرات الآلاف من أبناء الجزائر من الأمية، بوسائل دبرتها و نجحت فيها نجاحا عجيبا، و أن هذا العمل من غرر أعمالها لأن الأمية تشلّ الشعوب.أ.هـ(2). الميدان الداخلي أولى بالاهتمام: كان أمام الشيخ البشير- و من قبله الشيخ ابن باديس- ميدانان للكفاح: ميدان الاستعمار الخارجي، و ميدان الاستعمار الداخلي... استعمار العقول و النفوس والضمائر بالأوهام و الضلالات و البدع، فاختار الشيخان البدء بالميدان الداخلي، فهو أحق و أولى بالاهتمام. و علل ذلك الشيخ الإبراهيمي، فقال: (كانت الحكمة لاختيارنا الميدان الأول للهجوم، أن موضوع النزاع ديني، و نحن علماء دين يعترف لنا بالإمامة العلمية حتى الاستعمار أن ينتصر لأوليائه في نزاع ديني انتصارا سافرا، و انما ينتصر لهم بوسائل أخرى لا تؤثر في هدفنا الذي نرمي إليه، و هو انتزاع الأمة من هؤلاء المستغلين لها باسم الدين، و انقاذها من جبروتهم، و أننا اذا جردناهم من سلطانهم الوهمي، كانت معنا على الاستعمار الخارجي الحقيقي، و من لم يكن الشعب معه كان مخذولا في كل ميدان. بدأنا هذه الحركة بجنب حركة التعليم الديني العربي، و أطلقنا عليها اسمها الحقيقي، و هو: (الاصلاح الديني) و هو اسم يهيج أصحاب البدع و الضلالات من المسلمين في الدرجة الأولى، و يهيج الاستعمار الخارجي في الدرجة الثانية، فكان من تفاوت التهيج فسحة، سرنا فيها خطوات الى النجاح، و كانت أعمالنا تسير في دائرة ضيقة، لأن الاستعداد لظهور جمعية العلماء لم يتم إذ ذلك، و كان مبدأ(العمليات) بدروس دينية و محاضرات. و رأى المرحوم عبد الحميد ابن باديس: انه لا بد من جريدة تظاهر الفكرة و تخدمها، فأنشأ جريدة (المنتقد) و هي أول جريدة اصلاحية بالشمال الافريقي، فكانت أرفع صوت و أفعل وسيلة لنشر الاصلاح الديني، فارتاع لها الاستعمار الفرنسي و عطلها في مدة قريبة بما يملك من قوانين، فأصدر المرحوم جريدة أخرى باسم (الشهاب) كانت أسد رماية، و أوسع خطى من سابقتها، و سكت عنها الاستعمار فنقلها صاحبها من جريدة الى مجلة، طال عمرها بضع عشرة سنة و رافقت سنوات الارهاص بجمعية العلماء، فسجلت خطوات الحركة، و كانت لها مواقف رائعة في عدة ميادين، فخدمت العلم و الدين و السياسة، و تردد صداها في المغارب الثلاثة، فتركت في كل قطر أثرا حميدا في النفوس، و فضحت الاستعمار الفرنسي فضائح لا ينسى خزيها، و بدروس الأستاذ عبد الحميد ابن باديس، و مجلة الشهاب، استحق لقب (باني النهضة الجزائرية بجميع فروعها)، و أنشأ بعض الاخوان جريدة سماها (الاصلاح) كانت لها جولات في حرب البدع و لكنها لم تعمر إلا قليلا. تساوقت الآثار المختلفة الى غرض واحد، آثار دروس الإسلام الحية من ابن باديس في نفوس تلاميذه، و قد أصبحوا آلافا، و آثار دروسه العامة في التفسير و الأخلاق و الاجتماع، و قد أصبح سامعوها المتأثرون بها عشرات المصلحين بعد أن تكاثر عددهم و تلاحق مددهم، و تعاونوا على تنوير الأفكار و توجيه الأذهان لفهم حقائق الدين و الدنيا، و هداية النفوس الضالة بإرشاد القرآن و سيرة محمد و أصحابه و تجلية التاريخ الاسلامي. و تألف من ذلك كله حداء قوي مطرب، سارت عليه الأمة الجزائرية عقدا من السنين، و من سنة 1920م الى سنة 1930م، و استوى في التأثر الموافق منها و المخالف، و أوائل نهضات الأمم تفتقر دائما الى المخض هو الذي ينشئ فيها الحياة ثم يصفيها، و هو دليل حياة الشعور فيها(3). التربية: و كانت التربية في نظر الشيخ - و في نظر الجمعية- هي الوسيلة المُثلى لغرس التعاليم الإسلامية التجديدية، و معها النزعة العروبية و الوطنية- ، في عقول الناشئة و في قلوبهم. و مقامة تيار(الفرنسة) الذي يعمل منذ احتل الجزائر على أن يجردها من هويتها الاسلامية و العربية. و ذلك بفرض الفرنسية لغة وحيدة في التعليم، و إبعاد العربية تماما عن هذا المجال. و حذف الدين الإسلامي من مجال التربية و التعليم حذفا تاما، باعتبار أن الدولة (علمانية) (لائكية) و أنها لا تعلم الدين في مدارسها. فكان المطلوب هنا عملا مضادا لما يهدف اليه المستعمر، تقوم التربية فيه على أساس أن الدين هو الأساس. و العربية هي اللسان. فإذا كان التعليم الفرنسي السائد يقصد الى فرنسة الجزائريين، فان التعليم الذي قاده من قبل ابن باديس، و قاده من بعده الابراهيمي، يقصد الى إعادة (أسلمة) الجزائريين و (تعريبهم) أو الى إبقاء الإسلام و العروبة عند من بقيا عنده، و كان شعار جمعية العلماء منذ البداية: الإسلام ديننا .. العربية لغتنا..الجزائر وطننا !! و لذا كان تركيزهم المستمر و الدؤوب على ضرورة (التعليم العربي) الذي يجب أن تتاح له فرصة بجوار (التعليم الفرنسي) السائد و المهيمن على الساحة كلها. و كانت مناهج هذا التعليم و كتبه و لغته و معلّموه و إدارته و الجو المدرسي العام، كلها تصب في هذا الاتجاه. حتى الأناشيد التي تحفظ للطلاب تغرس فيهم هذه المعاني، و تنمي فيهم هذه المشاعر، مثل النشيد المعروف الذي ألفه الامام ابن باديس نفسه، و يحفظه الجميع: شعب الجزائـــر مسلــم و إلـى العروبـة ينســب من قـال حـاد عن أصلـه أو قـال مـات فقد كــذب و من حسن حظ الجزائر: أن الله تعالى وهبها رجلا مربيا من الطراز الأول، و منحه من المواهب و الملكات ما قاد به كتيبة التربية على بصيرة ووعي بالهدف المنشود، و المنهج المقصود، و أعدّ له من الرجال الكفاة من يذلّل بهم الصعاب، و يتخطى بهم العقاب. إنه الإمام ابن باديس الذي كان هدية الله للجزائر، كما يتحدث عنه الابراهيمي. و من أراد أن يعرف أثر التربية و التعليم الذي قامت به جمعية العلماء، و بدأها الإمام ابن باديس، فليقرأ ما كتبه الامام الابراهيمي في البصائر، و نشر الكثير منه في (آثاره) التي نشرت بعد وفاته، و ان لم تستوعب كل ما خطه قلمه. يقول الابراهيمي في احدى مقالاته أو دراساته عن جمعية العلماء و مؤسسها: (و عبد الحميد بن باديس باني النهضة و إمامها و مدرّب جيوشها: عالم ديني، و لكنه ليس كعلماء الدين الذين عرفهم التاريخ الإسلامي في قرونه الأخيرة، جمع الله فيه ما تفرق في غيره من علماء الدين في هذا العصر، و أربى عليهم بالبيان الناصع، و اللسان المطاوع، و الذكاء الخارق، و الفكر الولود، و العقل اللمّاح، و الفهم الغواص على دقائق القرآن و أسرار التشريع الإسلامي، و الاطلاع الواسع على أحوال المسلمين و مناشيء أمراضهم، و طرق علاجها، و الرأي السديد في العلمِّيَّات و العمليات،من فقه الإسلام و أطوار تاريخه، و الإلمام الكافي بمعارف العصر، مع التمييز بين ضارها و نافعها، مع أنّه لا يحسن لغة من لغاتها غير العربية، و كان مع التضلع في العلوم الدينية و استقلاله في فهمها. إماما في العلوم الاجتماعية، يكمل ذلك كله: قلم بليغ شجاع يجاري لسانه في البيان و السحر، فكان من أخطب خطباء العربية و فرسان منابرها، كما كان من أكتب كتابها. و هو من بيت عريق في المجد و الملك و العلم، يتصل نسبه الثابت المحقق بالمعز ابن باديس، مؤسس الدولة الباديسية الصنهاجية، إلى صناهجة القبيلة البربرية العظيمة التي حدثناكم عن دولها و آثارها بالجزائر، و المعز بن باديس هو جذم الدولة التي كانت بالقيروان، و يزعم بعض النسابين أنها يمنية وقعت الى شمال افريقيا في احدى الموجات التي رمى بها الشرق الغرب من طريق برزخ السويس في الأولين، كما رماه بالموجة الهلالية في الآخرين. هذا الرجل النابغة يشهد التاريخ أنه واضع أساس النهضة الفكرية في الجزائر، و قد سلك لها المسلك العلمي الحكيم، و هو مسلك التربية و التعليم، و أعانه على ذلك استعداده الفكري و كمال أدواته، فتصدر للتعليم حوالي سنة 1914م بقسنطينة التي هي مستقر أسرته من المائة السابعة للهجرة، و عمره إذ ذاك دون الخامسة و العشرين، فجمع عليه عشرات من الشبان المستعدين فعلّمهم و رباهم و طبعهم على قالبه و نفخ فيهم من روحه، و بيانه، تطوعا و احتسابا، لا يرجو إلا جزاء ربه و لا يقصد غير نفع وطنه. و كان – رحمه الله- يؤثر التربية على التعليم، و يحرص على غرس الفضائل في نفوس تلامذته قبل غرس القواعد الجافة في أدمغتهم، و يدربهم على أن ينهجوا نهجه في العمل للعروبة و الإسلام، فما انتهت الحرب العالمية الأولى حتى تخرّج على يده و على طريقته جيل من الشبان، تتفاوت حظوظهم من العلم النظري، و لكنهم طراز واحد في العمل، و صحة التفكير، و الانقطاع للجهاد. و كان من طريقته في التربية: أن يرمي الى تصحيح الفكر، و صقل العقل و ترقية الروح، و تقوية الخلق، و تسديد الاتجاه في الحياة، و أنه يستخرج من قواعد العلوم التعليمية قواعد للاجتماع، و ينتزع منها دروسا في التربية و الأخلاق. فمن القواعد الاصطلاحية المعروفة قولهم- مثلا- الفاعل مرفوع، والعامل يتقدم. فمن أمثال هذه الجمل المبتذلة الدائرة على الألسن في دراسة العلوم: كان يستخرج من معانيها اللغوية: نظرات اجتماعية طبيعية. ككون الفاعل العامل مرفوع القدر عند الناس، و ككون العامل يجب تقديمه على الكسلان العاطل، في جميع المقامات. و قد ذكر لي بعض من حضر درسه (4) في قول صاحب الألفية :( كلامنا لفظ مفيد كاستقم). قال : سمعته يقرر القاعدة النحوية التي أرادها ابن مالك فسمعت ما أدهشني من التحقيق الذي لم يعهد من علماء عصرنا، بالأسلوب الذي لم يعهد من شراح الألفية سابقهم و لاحقهم، ما عدا أبا إسحاق الشاطبي، ثم انتقل الى شيء آخر نقلني الى شيء آخر، و سما بي من الدهشة التي ما فوقها مما لا أجد لها اسما، فكان درسا اجتماعيا، أخلاقيا، على ما يجب أن يكون عليه الحديث الدائر بين الناس، و أنه إذا لم يكن مفيدا في المعاش و المعاد، كان لغوا و ثرثرة و تخليط مجانين، و إن سمته القواعد كلاما، ثم أفاض في الاستقامة الدينية و الدنيوية و أثرها في المجتمع، فعلمت أن الرجل يعمل على أن يخرج من تلامذته رجالا، و أنه يجري بهم على هذه الطرائق ليجمع لهم بين التربية و التعليم، و كأنه يتعجل لهم الفوائد، و يسابق بهم الزمن، ما دامت الأمم قد سبقتنا بالزمن. و هكذا كان الأمر، فإنه أخرج للأمة الجزائرية في الزمن اليسير جيلا يفهم الحياة، و يطلبها عزيزة شريفة، و يتدرع اليها بالأخلاق المتينة، و قد كان يدربهم على الأعمال النافعة، كما يدرب القائد المخلص جنوده، و يعدهم لفتح مصر، أو لقاء مصرع، و لتلامذته إلى اليوم سمات بارزة في إتقان الدعوة الإصلاحية التي أعلنتها جمعية العلماء في حياته، و في صدق الاتجاه، و في إتقان صناعة التعليم على طريقته. و هم الرعيل الأول في الثورة الفكرية الجارفة، التي نقلت الجزائر من حال الى حال. و قد كان تعليمه و الآفاق التي فتحها ذهنه الجبار، و أسلوبه في الدروس و المحاضرات، كل ذلك كان ثورة على الأوضاع التعليمية المعروفة في بلادنا، حيث ابتدأ التعلم، و توسط فيه، و في جامع الزيتونة حيث انتهى، و لم يكن عمله نتيجة دراسته التقليدية في البلدين، المحدودة بسنوات معدودة، و كتب مقروءة، على نحو ما في الأزهر، و إنما كان عمله نتيجة استعداد قوي، و ذكاء خارق، و فهم دقيق، و ذهن صيود لشوارد المعاني، غواص الى نهاياتها، كما وصفناه في أول الحديث. و حج في سنة 1913م، و مر بالقاهرة ذاهبا و بدمشق آيبا و جاور بالمدينة ثلاثة أشهر بعد هجرتي اليها بسنتين، و كنا نجتمع في أغلب الليالي اجتماعا خاصا لا نتحدث فيه إلا عن القطر الذي يجمعنا و هو الجزائر، و البلد الذي يضمنا و هو قسنطينة، و الآمال التي تملأ نفوسنا، في ترقيته و إعداده للتحرير، فكنا نُجمع على أن لا وسيلة لذلك إلا العلم تنتشر أعلامه، و الجهل ينقشع ظلامه، ثم تصور الخواطر لي و له مدارس تشاد للنشء و ألسنة تتفق على العربية، و أقلاما تتشقق على الكتابة، فتصور لنا قوة الأمل ذلك كله كأنه واقع نراه رأي العين. فإذا انتهينا من التصورات أخذني بالحجة، و ألزمني بالرجوع الى الجزائر، لنشترك في العمل المحقق للأمل، و أقام لي الدليل من الدين على أن هذا العمل أشرف و أقرب الى رضى الله من الهجرة، و لم أكن أنكر عليه هذا، و لكن والدي – رحمه الله- كان يأبى علي ذلك، فكنت أتخلص بالوعد بالرجوع عند سنوح الفرصة. و رجع هو من عامه، فابتدأ التعليم، و انثال عليه الطلبة من المقاطعات الثلاث، و قدّر الله فرجعت بعد سبع سنوات من افتراقنا، فوجدت عمله قد أثمر، و أملنا قد بدأ يتحقق، و وجدت الحرب قد فعلت فعلها في نفوس أمتي، فكان من آثارها حياة الاستعداد الفطري، الذي أماته الاستعمار في تلك المرحلة، التي عددنا لكم ما غرسته أيامها في نفوس الجزائريين من بذور خبيثة، كان من ثمراتها تخدير الشعور، و إضعاف المعنويات. و كان لرجوعي الى الجزائر في نفس الشيخ عبد الحميد بن باديس ما يكون في نفس القائد اتسعت عليه الميادين، و عجز عن اقتحامها كلها، فجاءه المدد لوقته، و تلقاني رحمه الله بمدينة تونس، مهنئا لي و لنفسه و للوطن، و مذكرا بعهود المدينة المنورة، و مبشرا بمواتاة الأحوال، و تحقق الآمال، فكانت مشاركتي له بالرأي و التفكير و التقدير و الدعاية، أكثر مما هي بالتعليم و التدريب، لما كان يحول بيني و بين و بين الانقطاع الى ذلك من عوائق، و إن كنت شاركت في تحضير أذهان العامة للنهضة الكبرى بسهم وافر، بواسطة دروس و محاضرات، و رجع أفراد من الإخوان الذين كانوا بالشرق مهاجرين، أو طلابا للعلم، و جماعة من تلامذة الأستاذ ابن باديس الذين أكملوا معلوماتهم بجامع الزيتونة، تنطوي نفوسهم من أستاذهم على فكره و روحه، و من جامع الزيتونة على متونه و شروحه، فاستقام الصدد، و انفتح السدد، و تلاحق المدد، و كانت من أصواتنا مسموعة ما يكون من الصيحة رجت النائم، و من أعمالنا مجموعة ما يكون من الروافد انصبت في النهر فجاشت غواربه، و كانت تلك بداية النهضة بجميع فروعها، و الثورة الفكرية بتمام معانيها.أ.هـ.(5) و بعد الشيخ ابن باديس: قاد الابراهيمي سفينة التربية و التعليم، فكان يعلم بنفسه أحيانا، و يوجه المعلمين، و يؤلف في التربية، حتّى أنه صنّف كتابا باسم (مرشد المعلمين) قدمه أحد أبناء الجمعية (الأستاذ محمد الغسيري) فقال: ( وضع أستاذنا الجليل محمد البشير الابراهيمي رئيس جمعية العلماء منذ سنوات، برنامجا حافلا للتعليم العربي بجميع أنواعه، و ضمّنه أصولا عظيمة من علم التربية، و قد سألناه منذ عامين: أن يجرد لنا فصولا عملية تتعلق بالسنوات الست الابتدائية ففعل، و سلمه لنا لنطبعه و ننتفع به، و طالعناه فلم نجده كالبرامج المعتادة، و إنما هو (معلم مكتوب). فهو يأخذ بيد المعلم و يسير به خطوة بخطوة الى الغاية لا يضل عنها و لا يجور، و كأنما هو (ملقن) من وراء المعلم يملي عليه الكلام و يرشده الى كيفية العمل. لذلك آثر جماعة من قدماء المعلمين تسميته ( مرشد المعلمين)6. الهــــوامش: 1- في المذكرة التي قدمها مكتب جمعية العلماء في القاهرة الى مجلس الجامعة العربية، و نشرت في صحيفة (منبر الشرق) و (الدعوة) في أغسطس 1954 م، القاهرة. 2- نشرت في صحيفة (منبر الشرق) و صحيفة (الدعوة) أغسطس 1954م. 3- انظر: آثار البشير الابراهيمي (4/342 و ما بعدها). 4- سمعت هذا شخصيا من الجزائري المجاهد الأستاذ الفضيل الورتلاني رحمه الله. 5-انظر: آثار البشير الابراهيمي (4/340 و ما بعدها). 6-البصائر العدد 67- السنة الثانية من السلسلة الثانية/19/2/1949م. أ.د. يوسف القرضاوي الملتقى الدولي للإمام محمد البشير الإبراهيمي بمناسبة الذكرى الأربعين لوفاته الجزائر 22-23 ماي 2005

خلاصة تاريخ حياتي العلمية والعملية 5/4

كان من نتائج الدراسات المتكرّرة للمجتمع الجزائري بيني وبين ابن باديس منذ اجتماعنا في المدينة المنوّرة، أن البلاء المنصبّ على هذا الشعب المسكين آت من جهتين متعاونتين عليه، وبعبارة أوضح من استعمارين مشتركين يمتصان دمه ويتعرقان لحمه، ويفسدان عليه دينه ودنياه: استعمار مادي وهو الاستعمار الفرنسي يعتمد على الحديد والنار، واستعمار روحاني يمثّله مشائخ الطرق المؤثرون في الشعب والمتغلغلون في جميع أوساطه، المتاجرون باسم الدين، المتعاونون مع الاستعمار عن رضى وطواعية، وقد طال أمد هذا الاستعمار الأخير وثقلت وطأته على الشعب حتى أصبح يتألم ولا يبوح بالشكوى أو الانتقاد، خوفًا من اللّه بزعمه، والاستعماران متعاضدان يؤيّد أحدهما الآخر بكل قوّته، ومظهرهما معًا تجهيل الأمّة لئلا تفيق بالعلم فتسعى في الانفلات، وتفقيرها لئلا تستعين بالمال على الثورة. فكان من سداد الرأي وإحكام التدبير بيني وبين ابن باديس أن تبدأ الجمعية بمحاربة هذا الاستعمار الثاني لأنه أهون، وكذلك فعلنا، ووجد المجلس الإداري نظامًا محكمًا فاتبعه، لذلك كانت أعمال الجمعية متشعبة وكان الطريق أمام المجلس الإداري شاقًّا ولكنه يرجع إلى الأصول الآتية : 1- تنظيم حملة جارفة على البدع والخرافات والضلال في الدين، بواسطة الخطب والمحاضرات ودروس الوعظ والإرشاد في المساجد والأندية والأماكن العامة والخاصة، حتى في الأسواق، والمقالات في جرائدنا الخاصة التي أنشأناها لخدمة الفكرة الإصلاحية. 2- الشروع العاجل في التعليم العربي للصغار في ما تصل إليه أيدينا من الأماكن، وفي بيوت الآباء، ربحًا للوقت قبل بناء المدارس. 3- تجنيد المئات من تلامذتنا المتخرجين، ودعوة الشبان المتخرجين من جامع الزيتونة للعمل في تعليم أبناء الشعب. 4- العمل على تعميم التعليم العربي للشبان على النمط الذي بدأ به ابن باديس. 5- مطالبة الحكومة برفع يدها عن مساجدنا ومعاهدنا التي استولت عليها، لنستخدمها في تعليم الأمّة دينها، وتعليم أبنائها لغتهم. 6- مطالبة الحكومة بتسليم أوقاف الإسلام التي احتجزتها ووزّعتها على معمّريها، لتصرف في مصارفها التي وقفت عليها (وكانت من الكثرة بحيث تساوي ميزانية دولة متوسطة). 7- مطالبة الحكومة باستقلال القضاء الإسلامي في الأحوال الشخصية مبدئيًّا. 8- مطالبة الحكومة بعدم تدخلها في تعيين الموظفين الدينيين. هذه معظم الأمهات التي تدخل في تصميم أعمال الجمعية، منها ما بدأناه بالفعل ولاقينا فيه الأذى، فصبرنا حتى كانت العاقبة لنا، ومنها ما طالبنا به حتى أقمنا حق الأمّة فيه، وفضحنا الاستعمار شرّ فضيحة، ومجموع هذه المطالب في ظاهرها دينية، ولكنها في معناها وفي نظر الاستعمار هي نصف الاستقلال. كانت السنة الأولى من عمر الجمعية سنة غليان: من جهتنا في تكوين الشُّعَب في كل مدينة وكل قرية لتنفيذ مقاصد الجمعية، وغليان السخط علينا من الاستعمار لأننا فاجأناه بما تركه مشدوهًا حائرًا لا يدري ما يفعل ولا من أين يبدأ في مقاومة حركتنا، وتفرّق أعضاء الجمعية على القطر كله يرشدون ويعظون ويزرعون الوعي، ويراقبون حركة التعليم ويحضرون أماكنه. وعقدنا الاجتماع العام في السنة الثانية، فكانت النتيجة باهرة، والعزائم أقوى والأمّة إلينا أميل. وخرج المتردّدون عن تردّدهم فانضموا إلينا، وأعيد انتخاب المجلس فأسفر عن بقاء القديم وزيادة أعضاء ظهرت مواهبهم في العلم، وكشّر الاستعمار عن أنيابه، فبدأ يمنعنا من إلقاء الدروس في المساجد الواقعة في قبضته، وثارت نخوة الأمّة فأنشأت بمالِها بضعة وتسعين مسجدًا حرًّا في سنة واحدة في أمهات القرى. في هذه السنة قررت الجمعية تعيين العلماء الكبار في عواصم المقاطعات الثلاث ليكون كل واحد منهم مشرفًا على الحركة الإصلاحية والعلمية في المقاطعة كلها، فأبقينا الشيخ ابن باديس في مدينة قسنطينة وحملناه مؤونة الإشراف على الحركة في جميع المقاطعة، وخصصنا الشيخ الطيب العقبي بالجزائر ومقاطعتها، وخصصوني بمقاطعة وهران وعاصمتها العلمية القديمة تلمسان، وكانت هي إحدى العواصم العلمية التاريخية التي أخنى عليها الدهر فانتقلت إليها بأهلي، وأحييت بها رسوم العلم، ونظمت دروسًا للتلامذة الوافدين على حسب درجاتهم، وما لبث إلّا قليلًا حتى أنشأت فيها مدرسة دار الحديث، وتبارى كرام التلمسانيين في البذل لها حتى برزت للوجود تحفة فنية من الطراز الأندلسي، وتحتوي على مسجد وقاعة محاضرات، وأقسام لطلبة العلم، واخترت لها نخبة من المعلمين الأكفاء للصغار، وتوليت بنفسي تعليم الطلبة الكبار من الوافدين وأهل البلد، فكنت ألقي عشرة دروس في اليوم، أبدأها بدرس في الحديث بعد صلاة الصبح، وأختمها بدرس في التفسير بين المغرب والعشاء، وبعد صلاة العتمة أنصرف إلى أحد النوادي فألقي محاضرة في التاريخ الإسلامي، فألقيت في الحقبة الموالية لظهور الإسلام من العصر الجاهلي إلى مبدأ الخلافة العباسية بضع مئات من المحاضرات. وفي فترة العطلة الصيفية أختم الدروس كلها وأخرج من يومي للجولان في الإقليم الوهراني مدينة مدينة وقرية قرية، فألقي في كل مدينة درسًا أو درسين في الوعظ والإرشاد، وأتفقد شُعَبَها ومدارسها، وكانت أيام جولتي كلها أيام أعراس عند الشعب، يتلقونني على عدة أميال من المدينة أو القرية، وينتقل بعضهم معي إلى عدة مدن وقرى، فكان ذلك في نظر الاستعمار تحديًّا له ولسلطته، وفي نظر الشعب تمجيدًا للعلم والدين وإغاظة للاستعمار، فإذا انقضت العطلة اجتمعنا في الجزائر العاصمة وعقدنا الاجتماع العام وفي أثره الاجتماع الإداري وقدم كل منا حسابه، ونظمنا شؤون السنة الجديدة، ثم انصرفنا إلى مراكزنا. بلغت إدارة الجمعية وهي في مستهل حياتها من النظام والقوة مبلغًا قويًّا بديعًا فأصبحنا لا نتعب إلّا في التنقل والحديث، أما الحكومة الاستعمارية فإننا بنينا أمرنا من أول خطوة على الاستخفاف بها وبقوانينها، وقد كنا نعلن في جرائدنا كل أسبوع بأن القوانين الظالمة لا تستحق الاحترام من الرجال الأحرار، ونحن أحرار فلتفعل فرنسا ما شاءت، وكان هذا الكلام ومثله أنكى عليها من وقع السهام لأنها لم تألف سماعه، وقد اطمأنت إلى أن الشعب الجزائري قد مات كما صرح بذلك أحد ساستها الكبار في خطبة ألقاها على ممثلي الأمم في المهرجان الذي أقامته في عيدها المئوي لاحتلال الجزائر، وكان مما قال: "لا تظنوا أن هذه المهرجانات من أجل بلوغنا مائة سنة في هذا الوطن، فقد أقام الرومان قبلنا فيه ثلاثة قرون، ومع ذلك خرجوا منه، ألا فلتعلموا أن مغزى هذه المهرجانات هو تشييع جنازة الإسلام بهذه الديار". وكانت أعمال الإخوان في المقاطعتين الأخريين مشابهة لأعمالي بمقاطعة وهران لأننا نجري على منهاج واحد، ونسير على برنامج واحد عاهدنا اللّه على تنفيذه. ولما ضاقت فرنسا ذرعًا بأعمالي ونفد صبرها على التحديات الصارخة لها، وأيقنت أن عاقبة سكوتها عنا هو زوال نفوذها بأعمالي وخاتمة استعمارها، اغتنمت فرصة نشوب الحرب العالمية الثانية، وأصدر رئيس وزرائها إذ ذاك (دالاديى) (Daladier) قرارًا يقضي بإبعادي إلى الصحراء الوهرانية إبعادًا عسكريًا لا هوادة فيه، لأن في بقائي طليقًا حرًا خطرًا على الدولة، كما هي عبارته في حيثيات القرار، ووكل تنفيذ قراره للسلطة العسكرية فنقلوني للمنفى في عاشر أفريل سنة 1940، وبعد استقراري في المنفى بأسبوع تلقيت الخبر بموت الشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمه الله – بداره في قسنطينة بسرطان في الأمعاء، كان يحس به من سنوات ويمنعه انهماكه في التعليم وخدمة الشعب من التفكير فيه وعلاجه، وقد شيع جنازته عشرات الألوف من الأمة رغمًا عن قسوة الأحكام العسكرية وقت الحرب، واجتمع المجلس الإداري للجمعية ورؤساء الشُّعَب يوم موته وانتخبوني رئيسًا لجمعية العلماء بالإجماع، وأبلغوني الخبر وأنا في المنفى فأصبحت أدير الجمعية وأصرف أعمالها من المنفى بالرسائل المتبادلة بيني وبين إخواني بواسطة رسل ثقات، وكنت حين بدأت نذر الحرب تظهر وغيومها تتلبد أجتمع بالشيخ ابن باديس في داري بتلمسان فقررنا ماذا نصنع إذا قامت الحرب، وقررنا من يخلفنا إذا قبض علينا؟ وقلبنا وجوه الرأي في الاحتمالات كلها، وقدرنا لكل حالة حكمها، وكتبنا بكل ما اتفقنا عليه نسختين، ولكن كانت الأقدار من وراء تدبيرنا فقبضه الله إليه. بقيت في المنفى ثلاث سنين تقريبًا، ولما أطلق سراحي من المنفى أول سنة ثلاث وأربعين كانت فاتحة أعمالي تنشيط حركة إنشاء المدارس، فأنشأت في سنة واحدة ثلاثًا وسبعين مدرسة في مدن وقرى القطر كله، كلها بأموال الأمة وأيديها، واخترت لتصميمها مهندسًا عربيًا مسلمًا فجاءت كلها على طراز واحد لتشهد للأجيال القادمة أنها نتاج فكرة واحدة. وتهافتت الأمة على بذل الأموال لتشييد المدارس حتى أربت على الأربعمائة مدرسة، ولم أتخل بعد رئاستي للجمعية وخروجي من المنفى عن دروسي العلمية للطلبة وللعامة، ولما رأت فرنسا أن عقابها لي بالتغريب ثلاث سنوات لم يكف لكسر شوكتي، وأنني عدت من المنفى أمضى لسانًا وقلبًا وعزيمة مما كنت، وأن الحركة التي أقودها لم تزدد إلّا اتساعًا ورسوخًا، انتهزت فرصة نهاية الحرب ودبرت للجزائر ثورة مفتعلة فقتلت من الشعب الجزائري المسلم ستين ألفًا، وساقت إلى المعتقلات سبعين ألفًا معظمهم من أتباع جمعية العلماء، وألقت بي في السجن سنة إلّا قليلا، ثم أخرجوني بدعوى صدور عفو عام عن مدبري الثورة ومجرميها وكان من (زملائي) في السجن الدكتور شريف سعدان – رحمه الله - والصيدلي فرحات عبّاس والمحامي شريف حاج سعيد وغيرهم. ولما خرجت من السجن عدت إلى أعمالي أقوى عزيمة مما كنت، وأصلب عودًا وأقوى عنادًا، وعادت المدارس التي عطلتها الحكومة زمن الحرب، وأحييت جميع الاجتماعات التي كانت معطلة بسبب الحرب، ومنها الاجتماع السنوي العام، وأحييت جريدة (البصائر) التي عطلناها من أول الحرب باختيارنا باتفاق بيني وبين ابن باديس لحكمة، وهي أننا لا نستطيع تحت القوانين الحربية أن نكتب حرفًا مما يراد منا، فحكمنا عليها بالتعطيل وقلنا: بيدي لا بيد عمرو، وحسنًا فعلنا؛ كذلك عطلنا مجلة (الشهاب) الناشر لأفكار الجمعية. ولما قررنا إحياء جريدة (البصائر) ألزمني إخواني أن أتولى إدارتها ورئاسة تحريرها فقبلت مكرهًا، وتضاعفت المسؤوليات، وثقلت الأعباء، فرئاسة الجمعية وما تستلزم من رحلات وما يتبع الرحلات من دروس ومحاضرات، كل ذلك كان يستنزف جهدي، فكيف إذا زادت عليها أعباء الجريدة وتحريرها؟ ولكن عون الله إذا صاحب امْرأً خفت عليه الأثقال. كنت أقوم للجمعية بكل واجباتها، وأقوم للجريدة بكل شيء حتى تصحيح النماذج، وأكتب الافتتاحيات بقلمي، وقد تمر الليالي ذوات العدد من غير أن أطعم النوم، وقد أقطع الألف ميل بالسيارة في الليلة الواحدة، وما من عداوة تقع بين قبيلتين أو فردين إلّا وأحضر بنفسي وأبرم الصلح بينهما، وأرغم الاستعمار الذي من همه بث الفتن، وإغراء العداوة والبغضاء بين الناس، فكنت معطلًا لتدبيراته في جميع الميادين. الشيخ محمد بشير الإبراهيمي

وحدة الصوم والعيد

الشيخ محمد البشير الإبراهيمي هذا العنوان موضع عمل جليل من المواضيع التي تجهد جمعية العلماء في تحقيقيها والوصول بها إلى الغاية التي ترضي الله وروسوله،وتعين على تضييق دائرة الخلاف بين المسلمين. دعت جمعية العلماء إلى هذا وعملت له في الجزائر ثم في شمال إفريقيا كله وأرشدت إلى طريقته العملية، وهي قبول شهادة أي قطر إسلامي بالرؤية والاعتماد في تعميم الخبر بالإذاعات الرسمية التي يذيعها قضاة معينون من حكومة إسلامية، ولم تستثن الا قضاة الجزائر لأنهم معينون من حكومة مسيحية بصورة ترفع الثقة بهم، ولأن من مقاصد الاستعمار بقاء هذا الخلاف الشنيع بين المسلمين في شعائرهم الدينية. فجمعية العلماء وأتباعها في الجزائر ومقلّدوها في الشمال الأفريقي كله يصومون ويفطرون - إذا لم ير الهلال عندهم - على رؤية أي قطر إسلامي، تثبت وتزكى وتبلغ من قاض مسلم بصفة رسمية على طريق الإذاعة الرسمية. والإذاعات الرسمية اليوم لا يتطرق إليها أي خلل، وجمعية العلماء ترى أن عدم العمل بالرؤية الثابتة على هذه الصورة هو قدح في مصدرها، فهو قدح في أمانة المسلمين بلا حجة ولا بيّنة. وما شتت شمل المسلمين وأرث بينهم العداوة والبغضاء إلا قدح بعضهم في أمانة بعض، في الإمامة والشهادة، وهما حجر الأساس في بناء الإخوة الإسلامية، لأن الإمامة من دعائم الدين، ولأن الشهادة من مقاطع الحقوق في الدنيا. ‏تعمل جمعية العلماء هذه الأعمال وتعدها من أهم الوسائل لجمح كلمة المسلمين، لأن الخلاف كله شر، وشره ما كان في الدين وأشعنه ما اتصل ما اتصل بالعامة وآثر فيها التعصّب الباطل. ‏-فإن الخلاف في العلميات مقصور على العلماء محصور منهم في دائرة ضيّقة فلا تظهر آثاره ولا أعراضه في العامة، أما الخلاف في الصوم والعيد وما جرى مجراه فإنه يسري في العامة فيتناولونه بعقولهم الضيّقة فلا يثير إلا التشنيع والتعصّب والعداوة. ‏أضاع المسلمون بهذا الخلاف كل ما في الأعياد من جلال روحي ومعان دينية واجتماعية، وأصبحت أعيادنا تمرّ وكأنها مآتم. لا تنبّه في النفوس سموًا ولا تشيع فيها ‏ابتهاجاً، ولا تثير فيها حركة إلى جديده، ولا سعيًا إلى مفيد، ولم يبق فيها إلا معان ثانوية مغسولة فاترة تظهر في هذه الصغائر من ترفيه تقليدي على الصبيان أو توسعة شهوانية على العيال، أو تزاور منافق يتولّاه اللسان ولا يتولّاه القلب، وقد يلتقي الأخوان أو الصديقان أو ‏الجاران وأحدهما مفطر والآخر صائم. فلا تستعلن البشاشة في الوجهين، ولا تنطلق التهنئة من ‏اللسانين، ولا يشعّ الأنس من أسارير الجهتين، وإنما ينقدح في النفسين أن كل واحد منهما محالف للآخر فهو خصمه، فهو خصمه، وفيمَ الخصام؟ وفيمَ العداوة؟ إنهما في الدين... ‏إن هذا الخلاف الفاشي بين المسلمين في الصوم والعيدين هو التفرّق في اللدين، حذّر منه القرآن فقال: "إن الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء"، وقال : "أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه". وكيف يرجو المسلمون الخير وهم متفرقون في دينهم، مخالفون لكتابهم، معرضون عن وصايا نبيّهم، ناكبون عن صراط سلفهم. ‏إن هذا الزمان هو زمان التكتّل ‏والتجمعّ وكأن الأفراد هم الذين تحتّم عليهم الحياة أن يتكتّلوا ليدفعوا عنهم البلاء الذي لا يستطيع الفرد أن يدفعه وحده. ‏إن من أشنع أنواع آثار التفرّق بين المسلمين اختلافهم في صوم رمضان وفي العيدين، ولو كان هذا الخلاف خلافًا صامتًا لا يصحبه تشهير لكان شرًا مقدرًا بقدره، ولكن خلافهم في هذا يصحبه تشهير من الصائم على المفطر ومن المفطر على الصائم وتشنيع ينتهي إلى سبب الخلاف فيثير الأحقاد الدفينة والحزازات الطائفية. أصبح الخلاف في الصوم والإفطار تجديدًا للأحقاد الدينية فنكءٌ. لجراحها وإثارة للفتن النائمة، ولا مبرّر له من اجتهاد أو خلاف مذهبي، أو اختلاف مطالع، فكل هذه الاعتبارات لا وزن لها في باب العلم، ولا محل لها في حقيقة الدين. ‏الإسلام دين الاتحاد والوفاق بكل عقائده وعباداته. وآدابه ترمي إلى الوفاق وتربّي على ‏الوفاق وتدعو إلى الوفاق. * جزء من مقال عثرنا على مسودته في أوراق الشيخ، كُتبت بباكستان. منقول من موقع الشيخ عبدالحميد بن باديس

فلسطين واليهود

كارثة فلسطين من أعمق الكوارث أثراً في نفوس المسلمين الصادقين، وجميع الكوارث التي حلت بالمسلمين عدل من الله، تخفى على البسطاء أسراره، وتظهر للمتوسِّمين أسبابه، إلا قضية فلسطين، فإنَّ وجه العدل الإلهي فيها ...


ليبيا .. موقعها منا

ليبيا - بأجزائها الطبيعية- قطعة ثمينة من وطن العروبة الأكبر، ومعقل حصين من معاقل الإسلام الباذخة، مكتَنَفة الشمال والجنوب بِجمالين من مياه البحر الأبيض، ورمال الصحراء الْمُغْبَرَّة، مسوَّرة الشرق والغرب ...


آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

يجدُ القارئ الكريم في هذا الكتاب باقةً من الزهور قطفناها له من كتاب "آثار الإمام البشير الإبراهيمي" الذي صدر عن دار الغرب الإسلامي ببيروت سنة 1997 والذي حوَى من خلال أجزائه الخمسة أكثر ما أُثيرَ عن الإمام من مقالات ...


الشيخ محمّد البشير الإبراهيمي مجدّد الحركة العلميّة بالعاصمة التّاريخيّة تلمسان

إن أسوأ مرحلة عاشها الجزائريون عبر تاريخهم المديد هي مرحلة العدوان الفرنسي على وطنهم حيث أفسدوا البلاد واستعبدوا العباد، حتى سمَّاهم الرحالة الألماني مَالْتْسان "الفندال الُمـحْدَثون" وأورد في رحلته ما قاله له ...


الشيخ محمد البشير الإبراهيمي

كانت القاهرة- لأكثر من ثلث قرن مضى- ملتقى عدد من المجاهدين الكبار يجيئون إليها في ظل عقيدة جامعة، وأخوة وثيقة، ولغة مشتركة، وآمال واحدة. وكان المسلمون ينظرون إلى الزعماء القادمين نظرة حب جارف وإعزاز بالغ، كانوا ...


مقومات الفكر الإصلاحي عند الإمام محمد البشير الإبراهيمي 4/1

أ.د. يوسف القرضاوي استهلال ( اللهم باسمك نبتدي، و بهديك نهتدي، و بك يا معين نسترشد و نستعين، و نسألك أن تكحل بنور الحق بصائرنا، و أن تجعل إلى رضاك ...


مقومات الفكر الاصلاحي عند الامام محمد البشير الابراهيمي 4/2

أ.د. يوسف القرضاوي 2- التحرير و التوحيد: محورا و هدفا و كان هدف الشيخ الابراهيمي من عمله الاصلاحي الكبير الذي بدأه مع ابن باديس و رفقائه في الدرب، هو ...


  • مقالات
  • حوارات
  • دراسات
  • محاضرات

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

يجدُ القارئ الكريم في هذا الكتاب باقةً من الزهور قطفناها له من كتاب "آثار الإمام البشير الإبراهيمي" الذي صدر عن دار الغرب الإسلامي ببيروت سنة 1997 والذي حوَى من خلال أجزائه الخمسة أكثر ما أُثيرَ عن الإمام من مقالات ...


آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

يجدُ القارئ الكريم في هذا الكتاب باقةً من الزهور قطفناها له من كتاب "آثار الإمام البشير الإبراهيمي" الذي صدر عن دار الغرب الإسلامي ببيروت سنة 1997 والذي حوَى من خلال أجزائه الخمسة أكثر ما أُثيرَ عن الإمام من مقالات ...


  • الفيديو
  • سمعيات
  • ألبوم الصور
  • مكتبة